تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
أنّ إعادة الحضارة الإسلاميّة معناها إعادة تلك الحياة البدائيّة التي كان يحياها المسلمون في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ، ورفض سائر ما جاءت به المدنيّات الحديثة من وسائل الحياة ومرفّهاتها . وهذا الزعم افتراءٌ على الإسلام ، فالحضارةُ غيرُ المدنيّة ، ذلك أنّ الحضارة هي مفاهيم الامّة عن الحياة ، والمدنيّة هي أساليب الحياة التي تتطوّر بتطوّر العلوم والاكتشافات ، والحضارة الإسلاميّة تقوم على أساس ربط الحياة الإنسانيّة بمبدعٍ حكيمٍ خلق تلك الحياة ، ووضع لها نظامها الأفضل ، وتقرّر أنّ سعادة هذه الحياة إنّما تحصل بتطبيق النظام الإلهي عليها ، وأنّ الهدف الذي يجب أن يعيّن في الحياة هو رضا اللَّه تعالى الذي يتحقّق بإقامة مجتمع عادل على وفق نظامه . وعلى العكس من ذلك كلّه كلُّ حضارة غير حضارة الإسلام التي جاء بها القرآن ، فإنّ الحضارات الأخرى تقيم الحياة على أساس فصلها عن الدين ، وتقصي الدين عن موضعه من القاعدة الاجتماعيّة للحياة ، وتعرّف السعادة بأ نّها المنفعة واللذّة وتجعل الهدف لكلّ إنسان الحصول على أكبر نصيب من هذه المنفعة واللذّة . ومن أجل ذلك كان من الطبيعي ما وقع في الحضارة الغربيّة وغيرها من إقصاء الأخلاق والقيم عن قيادة الحياة العامّة وما منيت به الإنسانيّة من تكالب الأقوياء على الضعفاء ، وتنافسهم في الاستعمار واستعباد الشعوب ، لأنّ المقياس هو المنفعة مهما كانت هذه المنفعة قاسية في حساب الضمير ومحرّمة في حكم اللَّه المقدّر الحكيم . وأمّا مظاهر المدنيّة المتطوّرة بتطوّر الصناعات والعلوم ، وما يستجدُّ من مختبرات وآلات صناعيّة وطبيّة ، ووسائل للنقل وأساليب العمران وغير ذلك من شؤون الحياة في سائر المجالات والجهات ، فهي عالميّة تنسجم مع كلّ حضارة ومبدأ ، فالحضارة الإسلاميّة إنّما تتنافى مع الحضارات الأخرى ولا تتنافى مع