التي تمتدّ إلى ما وراء الحسّ ، إلى ميادين العقل الخالص : « وَإذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا ألْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ » « 1 » .
وفي ميدان الروح لا يعتبر الإنسانيّة وقفاً على اللذائذ الماديّة والشهوات الرخيصة كما هي في عرف المادّيّة الكافرة ، ولا يهمل جانبها المادّي كما فعلت الأديان الروحيّة الخالصة ، بل يضع للإنسانيّة قوانينها المهذّبة والمربّية على أساس أنّها مزاج من المادة والمعنى : « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا » « 2 » .
وفي ميدان العمل يقيم الإسلام الحياة على مناهجه وأسسه من الحقّ والعدل والخير والمساواة : « وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ » « 3 » ، « وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى » « 4 » .
هذا هو المفهوم الصحيح للإسلام الذي شعّ على الدنيا ، فأقامها وأقعدها ، وبنى امّة ، فركّزها وأعزّها ، وأنشأ مجتمعاً ، فذابت في أضوائه جميع المشاكل التي تشكو منها المجتمعات الإنسانيّة .
وهذا هو مفهوم الإسلام الذي فهمه المسلمون الأوّلون عن النبي صلى الله عليه وآله فهماً صحيحاً ، فاتّخذوه ديناً ومبدأً وعقيدةً ودستوراً وأخرجوه من نطاق العقيدة الخالصة إلى حقيقة حيّة في كيان الامّة كلّها ، متمثّلة في الحياة الإسلاميّة بشتّى
هامش
( 1 ) البقرة : 170
( 2 ) القصص : 77
( 3 ) الكهف : 29
( 4 ) الأنعام : 152