تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وعلى هذا الأساس نعرف أنّ الإنسان بينما يقترب عادةً باستمرار نحو الحقيقة في مجال التجربة الطبيعيّة ، قد يبتعد عنها كثيراً في مجال التجربة الاجتماعيّة . وثالثاً : إنّ التفكير الذي تبلوره التجربة الطبيعيّة أكثر موضوعيّة ونزاهة من التفكير الذي يستمدّه الإنسان من التجربة الاجتماعيّة . وهذه النقطة من أهمّ النقاط الجوهريّة التي تمنع التجربة الاجتماعيّة من الارتفاع إلى مستوى التجربة الطبيعيّة والعلميّة . ففي التجربة الطبيعيّة ترتبط في الغالب مصلحة الإنسان الذي يصنع تلك التجربة باكتشاف الحقيقة كاملة صريحة ، وليس له على الأكثر أدنى مصلحة بتزوير الحقيقة أو طمس معالمها التي تتكشّف خلال التجربة ، فإذا أراد مثلًا أن يجرّب درجة تأثّر جراثيم السلّ بمادّة كيماويّة معيّنة حين إلقائها في محيط تلك الجراثيم فسوف لا يهمّه إلّامعرفة درجة تأثّرها مهما كانت عالية أو منخفضة ، ولن ينفعه في علاج السلّ أن يزوّر الحقيقة فيبالي في درجة تأثّرها أو يهوّن منها . وعلى هذا الأساس يتّجه تفكير المجرّب في العادة اتّجاهاً موضوعيّاً نزيهاً . وأمّا في التجربة الاجتماعيّة ، فلا تتوقّف مصلحة المجرّب دائماً على تجلية الحقيقة واكتشاف النظام الاجتماعي الأصلح لجموع الإنسانيّة ، بل قد يكون من مصلحته الخاصّة أن يستر الحقيقة عن الأنظار . فالشخص الذي ترتكز مصالحه على نظام الرأسماليّة والاحتكار أو على النظام الربوي للمصارف مثلًا ، سوف يكون من مصلحته جدّاً أن تجيء الحقيقة مؤكّدة لنظام الرأسماليّة والاحتكار والربا المصرفي بوصفه النظام الأصلح ، حتّى تستمرّ منافعه التي يدرّها عليه ذلك النظام . فهو إذن ليس موضوعيّاً بطبيعته ما دام الدافع الذاتي يحثّه على اكتشاف