تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وأمّا التجربة الاجتماعيّة ، فهي عبارة عن تجسّد النظام المجرّب في مجتمع وتطبيقه عليه . فتجربة النظام الإقطاعي أو الرأسمالي مثلًا تعني ممارسة المجتمع لهذا النظام فترة من تاريخه ، وهي لأجل ذلك لا يمكن أن يقوم بها فرد واحد ويستوعبها ، وإنّما يقوم بالتجربة الاجتماعيّة المجتمع كلّه وتستوعب مرحلة تاريخيّة من حياة المجتمع أوسع كثيراً من هذا الفرد أو ذاك . فالإنسان حين يريد أن يستفيد من تجربة اجتماعيّة لا يستطيع أن يعاصرها بكلّ أحداثها كما كان يعاصر التجربة الطبيعيّة حين يقوم بها ، وإنّما يعاصر جانباً من أحداثها ويتحتّم عليه أن يعتمد في الاطّلاع على سائر ظواهر التجربة ومضاعفاتها على الحدس والاستنتاج والتاريخ . وثانياً : إنّ الحقيقة التي يريد الإنسان معرفتها في مجال التجربة الطبيعيّة يجدها الإنسان في تجربة مباشرة أو يستنتجها ممّا يجده في التجربة استنتاجاً منطقيّاً ، فإذا أراد أن يعرف درجة الحرارة التي تؤدّي إلى غليان الماء أمكنه أن يشاهد ذلك في تجربة مباشرة ويحسّ بأنّ الغليان بدأ حين وصلت درجة الحرارة إلى مئة مثلًا ، وإذا أراد أن يعرف إمكانيّة تحوّل المادّة إلى طاقة أمكنه أن يقيس وزن الذرّة قبل تحطيمها بوزن حطامها بعد التفجير ، ويستنتج أنّ الفارق بين الوزنين من المادّة قد تحوّل خلال تحطيم الذرّة إلى طاقة . وأمّا الإنسان في مجال التجربة الاجتماعيّة فهو يريد معرفة التنظيم الأصلح المنسجم مع كلّ أبعاد الإنسانيّة ، وهذا التنظيم الأصلح لا يجده مباشرة في مجال التجربة ولا عن طريق الاستنتاج المنطقي منها ، فتجربة النظام الإقطاعي تكشف مضاعفات هذا النظام ونتائجه وآثاره ، ولكنّها لا تكشف بصورة مباشرة أو منطقيّة عن البديل الأصلح الذي يسلم من كلّ تلك المضاعفات دون أن يمنى بمضاعفات مماثلة من شكل آخر ، وإنّما يقدّر الإنسانُ البديلَ وفقاً لتصوّره وحدسه الخاصّ .