تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
القوميّة كمادّة خام بحاجة إلى الأخذ بفلسفة اجتماعيّة ونظام اجتماعي معيّن ، وحاولت أن توفّق بين ذلك وبين أصالة الشعار الذي ترفعه ، فنادت بالاشتراكيّة العربيّة ، نادت بالاشتراكيّة ؛ لأنّها أدركت أنّ القوميّة وحدها لا تكفي ، بل هي بحاجة إلى نظامٍ ونادت بها في إطار عربي تفادياً لحسّاسيّة الامّة ضدّ أيّ ستار أو فلسفة مرتبطين بعالم المستعمرين ، فحاولت عن طريق توصيف الاشتراكيّة بالعربية تغطية الواقع الأجنبي المتمثّل في الاشتراكيّة من الناحية التاريخيّة والفكريّة ، وهي تغطية كشفتها حسّاسيّة الامّة التي تحدّثنا عنها ؛ لأنّ هذا الإطار القلق ليس إلّامجرّد تأطير ظاهري وشكلي للمضمون الأجنبي الذي تمثّله الاشتراكيّة ، وإلّا فأيّ دور يلعبه هذا الإطار في مجال التنظيم الاشتراكي ؟ وأيّ تطوير للعامل العربي في الموقف ؟ وما معنى أنّ العربيّة كلغة وتاريخ تطوّر فلسفة معيّنة للتنظيم الاجتماعي ؟ بل كلّ ما وقع في المجال التطبيقي نتيجة للعامل العربي ، إنّ هذا العامل أصبح يعني في مجال التطبيق استثناء ما يتنافى من الاشتراكيّة مع التقاليد السائدة في المجتمع العربي والتي لم تحثّهم الظروف الموضوعيّة لتغييرها ، كالنزعات الروحيّة بما فيها الإيمان باللَّه . فالإطار العربي ، إذن لا يعطي الاشتراكيّة روحاً جديدة تختلف عن وصفها الفكري والعقائدي المعاش في بلاد المستعمرين ، وإنّما يراد به التعبير عن استثناءات معيّنة وقد تكون موقوتة ، والاستثناء لا يغيّر جوهر القضيّة والمحتوى الحقيقي للشعار . ولا يمكن لدعاة الاشتراكيّة العربيّة أن يميّزوا الفوارق الأصليّة بين اشتراكيّة عربيّة ، واشتراكيّة فارسيّة واشتراكيّة تركيّة ، ولا أن يفسّروا كيف تختلف الاشتراكيّة بمجرّد إعطائها هذا الإطار القومي أو ذاك ؛ لأنّ الواقع أنّ المضمون والجوهر لا يختلف ، وإنّما هذه الاطر تعبّر عن استثناءات قد تختلف من شعب إلى آخر لنوعيّة التقاليد السائدة في الشعوب .