وبما أن الهاتف مراقب ، والمكالمات تسجّل ، فإن السلطة ستعتقد أنّي خارج المنزل قطعا ، بل ستطمئن أنّي في خارج العراق حسب بعض فقرات المكالمة الهاتفيّة التي سأتحدّث بها مع السيد الشهيد .
وهكذا كان ، وبعدها انقطع السؤال عنّي تماما وعدت إلى البيت ، وبقيت مع السيد الشهيد رحمه الله إلى آخر يوم من حياته ، والحمد لله رب العالمين على ذلك .
العزلة التامة :
من اليوم الثامن عشر من رجب تقريبا وحتى اليوم الأخير من شهر شعبان كنّا في عزلة كاملة عن العالم ، فلا أخبار الناس تصل إلينا ، ولا أخبارنا تصل إليهم ، وكأنّنا أحياء دفّنا في قبر كبير .
كان يؤنسنا المذياع ، نستمع إلى أخباره ، وكانت تسرّنا أبواق السيارات ، فنسعد بها ؛ لأننا نشعر بأنّنا قرب العالم ، وكان صوت أم تنادي ولدها أو صراخ طفل يصل إلى مسامعنا يؤنسنا غاية الانس ، وكان دويّ المخبز الملاصق للمنزل أحلى من أي لحن ، هكذا يشعر الإنسان إذا وضع في قفص خانق .
بداية الاتصال :
وبدأت لنا أوّل صلة بخارج البيت في اليوم الأخير من شهر شعبان حينما صعدت إلى سطح المنزل ، ووقفت في زاوية منه بحيث لا تراني أجهزة المراقبة ولا عيون الأمن مترقّبا هلال شهر رمضان المبارك ، فرأيت سماحة الأخ حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم ( حفظه الله ) ( 1 ) ، وكان هو أيضا قد صعد إلى
( 1 ) كان لسماحته دور بطولي وفدائي في خدمة السيد الشهيد ، فمن اليوم الأخير من شهر شعبان وحتى نهاية الحجز كان أهم حلقة توصل السيد بخارج البيت ، والمنفذ الحكيم لكل ما كان يطلبه السيد الشهيد ، رغم احتمال أن يؤدي به الأمر إلى أن يضحي بنفسه وعالته في أي لحظة . وقد أشاد به السيد الشهيد كثيرا ، وفي آخر رسالة كتبها ، وهي أقرب ما تكون إلى الوصية ، وبعثها إلى سماحة أية الله السيد محمود الهاشمي ، أوصاه به وبي بعبارات قلما يعبر السيد الشهيد بمثلها لأحد ، فجزاه الله ( تعالى ) خير الجزاء .
ولا أنسى دور سماحة الأخ حجة الاسلام والمسلمين الشيخ عبد الحليم الزهيري ( حفظه الله ) فقد قام بدور كبير في تلك الفترة وكان أكبر همه خدمة السيد الشهيد والدفاع عنه وتنفيذ أوامره فجزاه الله خيرا .