خلاف النفس رشدك ، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد ، ألا وإن مع
كل جرعة شرقا وإن في كل اكلة غصصا ، لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى ،
ولكل ذي رمق قوت ، ولكل حبة آكل ، وأنت قوت الموت .
إعلموا أيها الناس أنه من مشي على وجه الأرض فإنه يصير إلى
بطنها ، والليل والنهار يتنازعان ( 1 ) في هدم الأعمار .
يا أيها الناس كفر النعمة لؤم ، وصحبة الجاهل شؤم ، إن من الكرم لين
الكلام ، ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام ، إياك والخديعة فإنها من
خلق اللئيم ، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب ، لا ترغب فيمن
زهد فيك ، رب بعيد هو أقرب من قريب ، سل عن الرفيق قبل الطريق وعن
الجار قبل الدار ، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل ( 2 ) ، استر عورة
أخيك كما تعلمها فيك ، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك ، من غضب
على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه ، من خاف ربه كف
ظلمه ( 3 ) ، ومن لم يزغ ( 4 ) في كلامه أظهر فخره ، ومن لم يعرف الخير من
الشر فهو بمنزلة البهيمة ، إن من الفساد إضاعة الزاد ، ما أصغر المصيبة مع
عظم الفاقة غدا ، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي
والذنوب فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم ، وما شر بشر بعده
الجنة ، وما خير بخير بعده النار ، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل
بلاء دون النار عافية ، وعند تصحيح الضمائر تبدوا الكبائر ، تصفية العمل
أشد من العمل وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول
الجهاد ، هيهات لولا التقى لكنت أدهى العرب ( 5 ) .
هامش
( 1 ) وفي نسخة أخرى : يتسارعان .
( 2 ) المقيل من القيلولة .
( 3 ) وفي نسخة : من خاف ربه كفى عذابه .
( 4 ) أي : من لم يمل في كلامه عن الحق .
( 5 ) الدهاء : جودة الرأي والحذق ، وبمعنى المكر والاحتيال وهو المراد ههنا .