يصرفه في غير أجره ( 1 ) ، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهم مذموم ( 2 ) ،
ومن لم يعط قاعدا منع قائما ( 3 ) ، ومن يطلب العز بغير حق يذل ، ومن
يغلب بالجور يغلب ، ومن عاند الحق لزمه الوهن ، ومن تفقه وقر ، ومن
تكبر حقر ، ومن لا يحسن لا يحمد .
أيها الناس إن المنية قبل الدنية ( 4 ) ، والتجلد قبل التبلد ( 5 ) ، والحساب
قبل العقاب ( 6 ) ، والقبر خير من الفقر ، وغض البصر خير من كثير من النظر ،
والدهر يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر ( 7 ) وإذا كان عليك فاصبر
فبكليهما تمتحن ( 8 ) .
أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه ، وله مواد من الحكمة وأضداد
من خلافها ، فإن سنح له ( 9 ) الرجاء أذله الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه
الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به
الغيظ ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ ( 10 ) ، وإن ناله الخوف شغله الحذر ،
وإن اتسع له الأمن استلبته العزة ( 11 ) ، وإن جددت له نعمة أخذته العزة ، وإن
أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته ( 12 ) فاقة شغله البلاء ( 13 ) ، وإن أصابته
هامش
( 1 ) أي : فيما لا يوجر عليه في الدنيا والآخرة .
( 2 ) أي : من لا يترك الشر وما لا ينبغي على اختيار يدعه على اضطرار ولا يحمد بهذا الترك .
( 3 ) أي : من لم يعط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس ويسألونه ، يبتلى بأن يفتقر
إلى سؤال غيره فيقوم بين يديه ويسأله ولا يعطيه .
( 4 ) المنية : الموت ، والدنية : الذلة ، يعني أن الموت خير من الذلة ، فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف .
( 5 ) التجلد : تكلف الشدة والقوة ، والتبلد : ضده .
( 6 ) أي : محاسبة النفس في الدنيا خير من التعرض للعقاب في الأخرى .
( 7 ) البطر : شدة الفرح .
( 8 ) وفي نسخة : وكلاهما سيختبر .
( 9 ) سنح له : بدا وظهر .
( 10 ) التحفظ : التوقي والتحرز من المضرات .
( 11 ) وفي نسخة : أخذته العزة .
( 12 ) عضه : أمسكه بأسنانه .
( 13 ) وفي نسخة : جهده البكاء .