34 . عدّةٌ من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن عُبيد اللَّه الدهقان ، عن أحمدَ بن عمر الحلبيّ ، عن يحيى بن عمران ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام ، قال : « كانَ أميرُ المؤمنين عليه السلام يقول : بالعقل استُخْرِجَ غورُ الحكمة ، وبالحكمة استُخْرِجَ غورُ العقل ،
شرح
وما في بعض الأحاديث من سؤال الغنيّ عن شرار الخلق لا غيرهم ، وما في بعض الأدعية من سؤال الغنيّ عمّن هو غنيّ عن السائل ومثله كثيرٌ ، ومدار نظام العالم على احتياج الناس بعضهم إلى بعض ؛ لأنّه في جميع ذلك ينبغي أن يكون الإنسان طلبه وسؤاله من اللَّه تعالى معتقداً أنّ العبد الذي يطلب منه عبدٌ مثله غير مالك حقيقي ، بل مسخّر من اللَّه لأن يقضي حاجته ؛ لما قد جرى من عادة اللَّه ، ولتنزّهه عن أن يتعاطى مثل ذلك ، فهو كطلب عبد من عبد مالايملك من مال مولاه ، فإذا كان الطلب من المولى أمَرَعبده بإعطاء ما يريده ، والعبد لا ملك له في الحقيقة يتصرّف فيه بإعطاء ونحوه ، وإيّاك أن تعجّل بتوهّم شيء من هذا الكلام ينفي « 1 » الاختيار والقدرة والملك للعبد .
وقد يفهم من كلام سيّد العابدين عليه الصلاة والسلام ما يؤيّد ذلك من قوله :
« أو جعله سبب نجحها دونك » فإنّ مفهومه على أحد معنيي ما يدلّ عليه أنّه إذا جعلك سبب نجحها دونه ، لم يتعرّض للحرمان ، وإن كان الطلب من العبد مع اعتقاده أنّه تعالى سبب النجح وحده .
والإشارة بذلك إلى رفع الرغبة بمعنى أنّ اللَّه تعالى يؤتيه ما يريد في أسرع من زمان رفع الرغبة إلى المخلوق ، فكيف بما بعده ؛ واللَّه تعالى أعلم .
قوله عليه السلام في حديث يحيى بن عمران : ( بالعقلِ استُخْرِجَ غورُ الحكمةِ ، وبالحكمة استُخرج غور العقلِ ) .
أي باستعمال العقل استعمالًا تامّاً استخرج الخفيّ من الحكمة ، فالظاهر بطريق أولى وباستعمال الحكمة وتتبّعها استخرج الخفيّ من العقل ؛ فكلّ واحد منهما ممدّ للآخر فيما يستخرج ، ومنبّه لصاحبه على الخفيّ من الآخر ، ومظهر لما كان كامناً منه .
هامش
( 1 ) . في « ب ، د » : « بنفي » .