الرحى ( 1 ) ينحدر عني السيل ( 2 ) ولا يرقى إلي الطير ( 3 ) فسدلت دونها ( 4 ) ثوبا ، وطويت
عنها كشحا ( 5 ) وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء ( 6 ) أو أصبر على طخية عمياء ( 7 )
يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أن
الصبر على هاتا ( 8 ) أحجى ( 9 ) فصبرت وفي العين قذى ( 10 ) وفي الحلق شجا ( 11 ) أرى
تراثي نهبا ( 12 ) حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده ( ثم تمثل
عليه السلام بقول الأعشى ) :
شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا
هامش
( 1 ) يدل على ذلك ما رواه أبو بكر نفسه من أحاديث سمعها من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الإمام ،
تأتي تحت عنوان ( أحاديث رواها إمامكم في فضائل إمامنا ) .
( 2 ) قال ابن أبي الحديد : يعني رفعة منزلته ( عليه السلام ) كأنه في ذروة جبل أو يفاع مشرف ينحدر السيل
عنه إلى الوهادة والغيظان .
( 3 ) قال ابن أبي الحديد في شرحه لهذه الجملة من خطبة الإمام الشقشقية : هذه أعظم في الرفعة
والعلو من التي قبلها ، لأن السيل ينحدر عن الرابية والهضبة ، وأما تعذر رقي الطير فربما يكون
للقلال الشاهقة جدا ، بل ما هو أعلى من قلال الجبال ، كأنه يقول إني لعلو منزلتي كمن في السماء
التي يستحيل أن يرقى الطير إليها .
( 4 ) أي أرخيت ، تقول : ضربت يعني بيني وبينها حجابا فعل الزاهد فيها الراغب عنها ، قاله ابن
أبي الحديد .
( 5 ) أي قطعتها وصرمتها ، وملت عنها .
( 6 ) : مقطوعة ، كناية عن عدم الوصول إلى الهدف ، مع قلة الناصر ، كما أن اليد المقطوعة لا ينال
بها المطلوب .
( 7 ) الطخية : قطعة من الغيم والسحاب ، وعمياء تأكيد لظلام الحال واسودادها .
( 8 ) أي هذه .
( 9 ) أي أليق بالحجى وهو العقل .
( 10 ) أي صبرت على مضض كما يصبر الأرمد .
( 11 ) هو ما يعترض في الحلق ، كما يصبر من غص بأمر فهو يكابد الخنق .
( 12 ) قال ابن أبي الحديد : كنى عن الخلافة بالتراث ، وهو الموروث من المال . الرضوي : وذاك
لأنه ورثها من نص رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليه فيها فلذلك عبر عنها بالتراث .