أما أنا ، فأختار ما أنا فيه بدون زيادة ولا نقصان ، لأن الله اختاره لي ، وهو أعلم بمصلحتي مني ، وأشفق عليَّ من نفسي ! وقد قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إن أعلم الناس بالله ، أرضاهم بقضاء الله عز وجل ) . ( الكافي : 2 / 60 ) .
وقال ( عليه السلام ) : ( عجبت للمرء المسلم ، لا يقضي الله عز وجل له قضاء إلا كان خيراً له . إن قٌرِّضَ بالمقاريض كان خيراً له ، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له ) .
( الكافي : 2 / 62 ) .
وتسألني : وهل الله اختار من الأزل أبويَّ وعصري ، وأين اختياري أنا ؟
فأسألك : وأنت ما هو رأيك ؟ هل تتصور أن الله تعالى مسبوق في شئ من خلقه وأنه يعمل كما يعمل الأشخاص ، أو الشركات ؟
ما أضعف بنيتنا الفكرية في معرفة الله تعالى ، فنحن نتصوره مثلنا ، وسبحانه !
وقد قيل إن النملة تتصور أن لربها قرنين كقرنيها !
ترانا نقرأ آيات القرآن ، ونقرأ الأحاديث ، لكنا لا نستوعب !
إقرأ معي قوله تعالى : اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَئٍْ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ . . . وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلابِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلايُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ . . . وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ . . .
المسألة مدروسةٌ يا صاحبي ، فلايولد مولودٌ إلا بسابق علم ، وتخطيط وهدف .
بل لا تسقط ورقة خضراء أو يابسة من شجرة أو نبتة ، ولا تُبَرْعِمُ حبةٌ من تراب الأرض ، إلا بحساب وكتاب : وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ . . .
وكل مخلوق له مخطط كامل ، قبل وجوده ، ومعه ، وبعده ، فكيف بالإنسان ، وهو أكبر كلمات الله تعالى . ولو أردنا أن نكتب هذه المخططات ، فلا تكفينا بحار الدنيا حبراً لأقلامنا ، أو لأجهزة الطباعة ! قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - ) — صفحة 26
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٢٦