وقد دلّت الآيات الشريفة على حياة الشهداء حياة حقيقية مقترنة بآثارها من الرزق والفرح والاستبشار ودرك المعاني والحقائق ، قال اللَّه سبحانه :
« وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ »
« 1 » .
فهل يتصوّر أن يكون الشهداء أحياءً ، ولا يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو شاهد على جميع الخلق وأفضلهم حيّاً ؟ ! وهذا ما لا تقبله الفطرة السليمة ، وأيّ مسلم لهج بخلافه فإنّما يلهج بلسانه وينكره بقلبه وعقله « 2 » .
والأخبار في حثّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الامّة على زيارته بعد موته - خصوصاً بعد الحج ، وكذا السلام عليه ، وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم يردّ الجواب - كثيرة :
منها : ما رواه أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة : أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ما من أحد يسلّم عليَّ إلّاردّ اللَّه عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام » « 3 » .
ومنها : ما رواه جماعة عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « من صلّى عليَّ عند قبري سمعته » « 4 » .
ومنها : ما روي عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وآله وسلم :
« من صلّى عليَّ عند قبري رددت عليه » « 5 » .
بل روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة لجميع المؤمنين حيث قال : « ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلّم عليه إلّا عرفه وردّ عليه السلام » « 6 » ، وغيرها « 7 » .
وكذا دلّت الآيات الكريمة والبراهين العقلية على أنّ الموت ليس فناء الإنسان ، وإنّما هو انتقال من عالم إلى آخر ، كقوله تعالى :
« وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ » ،
فردّهم بقوله :
« قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ
هامش
( 1 ) آل عمران : 169 - 171 .
( 2 ) في ظلال التوحيد : 596 .
( 3 ) سنن أبي داود 2 : 218 ، ح 2041 .
( 4 ) كنز العمّال 1 : 492 ، ح 2165 .
( 5 ) وفاء الوفاء 4 : 1350 .
( 6 ) تفسير ابن كثير 3 : 439 ، مع اختلاف .
( 7 ) انظر : وفاء الوفاء 4 : 1349 - 1352 .