والثاني : فيما هو مقتضى الأدلّة ممّا يستنبطه الفقيه والمجتهد منها في هذا المقام .
أمّا المقام الأوّل فقبل التعرّض لما يمكن أن يكون مستنداً للعامي في التقليد ، ينبغي أن نتعرّض لنكتة وهي :
أنّ المكلّف بعد علمه علماً إجمالياً بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدّسة من وجوب أو تحريم ، تتنجّز له الأحكام الواقعيّة بحيث يقتضي ذلك لزوم الخروج عن عهدتها ؛ لاستقلال العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف المتوجّهة إلى العبد من المولى سبحانه ، والمكلّف لدى الامتثال لابدّ إمّا أن يأتي بنفس الواجبات الواقعيّة ويترك المحرّمات الواقعية ، وإمّا أن يعتمد على ما يعذّره على تقدير الخطأ ، وهو ما قطع بحجّيته ؛ إذ لا يجوز لدى العقل الاعتماد على غير ما علم بحجّيته حيث يحتمل معه العقاب .
ولا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره ، وعليه فالعامي لابدّ في استناده إلى فتوى المجتهد أن يكون قاطعاً بحجّيتها في حقّه ، أو يعتمد في ذلك على ما يقطع بحجّيته ، ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على ما لا يعلم بحجّيته ؛ إذ معه يحتمل العقاب على أفعاله وتروكه .
وبذلك يظهر أنّه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية ، بل لابدّ أن تكون ثابتة بالاجتهاد وعلى وفق ما وصل إليه رأي العامي .
نعم ، لا مانع من التقليد في خصوصيّاته إلّا أنّ أصل جوازه لابدّ أن يكون مستنداً إلى الاجتهاد .
وأمّا ما يمكن أن يعتمد عليه العامي في حجّية فتوى المجتهد في حقّه فهو أمران :
الأوّل : الارتكاز الثابت ببناء العقلاء ، حيث جرى بناؤهم في كلّ حرفة وصنعة - بل في كلّ أمر راجع إلى المعاش والمعاد - على رجوع الجاهل إلى العالم ؛ لأنّه أهل الخبرة والاطّلاع ، ولم يرد من الشارع ردع عن هذه السيرة العقلائية .
والعامي وإن جاز أن لا يلتفت إليها مفصّلًا إلّاأنّها مرتكزة في ذهنه قطعاً ،
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 33
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٣٣