يصرف قوم أعمارهم لتحصيل ملكة الاستنباط ، ولا تتيسّر إلّاللأوحديّ منهم حسبما اقتضته المصالح الإلهية « 1 » .
الوجه الثالث : أنّ ما دلّ على المنع عن اتّباع الظنّ وغير العلم يشمل فتوى الفقيه كقوله تعالى :
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
« 2 » ، وقوله تعالى :
« إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً »
« 3 » ، فإنّ إطلاق الظنّ وعدم العلم شامل لفتوى الفقيه أيضاً .
وأجيب عنه بوجوه ، وهي :
1 - ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ الآيات الناهية عن الظنّ وإن كانت شاملة للظنّ الحاصل من فتوى الفقيه ، إلّاأنّ هذه الآيات تخصّص بأدلّة جواز التقليد وحجّية فتوى الفقيه « 4 » .
2 - ما ذكره السيّد الخوئي من أنّ هذه الآيات غير شاملة للفتوى ؛ لأنّ النهي فيها ليس نهياً مولويّاً وإنّما هو إرشاد إلى ما استقلّ به العقل ؛ إذ الظنّ يقترن دائماً باحتمال الخلاف ، فالعمل به مقرون باحتمال العقاب لا محالة ، ودفع العقاب المحتمل ممّا استقلّ به العقل ، والنهي في الآيات المباركة إرشاد إليه « 5 » ، وبما أنّ فتوى الفقيه حجّيتها ثابتة بالأدلّة فلا يكون العمل بها مقروناً باحتمال العقاب ، فهي خارجة عن مدلول هذه الآيات .
3 - ما ذكره السيّد الشهيد الصدر في مبحث حجّية خبر الواحد فإنّه قال : « إنّ هاتين الآيتين لا دلالة لهما على عدم الحجّية في مطلق الظنّ فضلًا عن الخبر ؛ أمّا الآية الأولى فلأنّ النهي قد تعلّق فيه بالاقتفاء بغير العلم لا مجرّد العمل على طبقه ، والاقتفاء عبارة عن الاتّباع والذهاب خلف الشيء وجعله سنداً ودليلًا بحيث يكون هو الداعي والمحرّك للإنسان ، وهذا المطلب صحيح في باب الظنّ وعقلائي أيضاً ولكنّه لا ينافي حجّيته ؛ فإنّ الاقتفاء حينئذٍ في مورد الظنّ يكون للعلم بالحجّية ووجوب متابعته شرعاً لا لنفس الظنّ وإن كان العمل على طبق الظنّ .
هامش
( 1 ) مصباح الأصول 3 : 450 - 451 .
( 2 ) الإسراء : 36 .
( 3 ) يونس : 36 .
( 4 ) انظر : كفاية الأصول : 473 - 474 .
( 5 ) التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 91 .