وإنّما يختلف بحسب اختلاف الوجوه والاعتبارات ، فإنّما يقبح ممّن أقام عليه في إطاعة اللَّه وامتثال أحكامه مع الشكّ في مشروعيّته لرجوعه إلى الإقامة على الشكّ وهو قبيح عقلًا ، والقائل بمشروعيّته إنّما يقول بها عن علم لا عن شكّ ، فيكون حسناً في حكم العقل « 1 » .
وإن أريد به القبح الشرعي باعتبار المنع المستفاد من الآيات الشريفة الدالّة على حرمته أو حرمة اتّباع الظن ، فأجيب عن ذلك بوجوه متعدّدة ، من قبيل أنّ هذه الآيات ليست إلّاعمومات قابلة للتخصيص وأدلّة القول بالمشروعيّة ناهضة له « 2 » .
الوجه الثاني : أنّ ما دلّ على ذمّ التقليد يشمل التقليد في الأحكام الفرعيّة كقوله تعالى :
« إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ »
« 3 » ، وقوله تعالى :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ »
« 4 » ، ونحوهما من الآيات الدالّة على ذمّ التقليد .
وأجيب عنه : بأنّ هذه العمومات تخصّص بأدلّة جواز التقليد ومشروعية رجوع الجاهل إلى العالم في الأحكام الفرعية ، ونتيجة ذلك جواز التقليد فيها « 5 » .
بل قيل : إنّ هذه الآيات أجنبيّة عن المقام ، فإنّ الكلام في رجوع الجاهل إلى العالم لا إلى مثله كما هو المفروض في هذه الآيات بقرينة ذيل الآية الثانية ، وهو قوله تعالى :
« أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ »
« 6 » .
مضافاً إلى أنّ بعض هذه الآيات واردة في الأصول الاعتقادية التي لابدّ فيها من تحصيل العلم واليقين ، ولا تقاس عليها الأحكام الشرعية العملية ؛ لقلّة الأصول الاعتقادية وسهولة الوصول إليها بالعلم واليقين لظهور برهانها ، بخلاف الأحكام الفرعيّة فإنّها مع كثرتها يصعب الوصول إليها من مداركها المقرّرة في الشرع ؛ ولذا
هامش
( 1 ) انظر : تعليقة على معالم الأصول 7 : 366 .
( 2 ) انظر : تعليقة على معالم الأصول 7 : 367 .
( 3 ) الزخرف : 23 .
( 4 ) البقرة : 170 .
( 5 ) انظر : كفاية الأصول : 473 - 474 . تعليقة على معالم الأصول 7 : 367 .
( 6 ) المائدة : 104 .