ولا شك أنّ الإسلام بشموليته التشريعية لكلّ ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ومعاده وما به صلاحه في الدارين قد اهتم بهذا الأمر اهتماماً بالغاً ، ولم يثبت الردع منه عن ذلك ، بل قد يدّعى تأييده بالنصوص « 1 » .
ونطاق هذا الملاك أعم من نطاق ملاك القول الأوّل ، حيث إنّ القول الأوّل يعمّم التعزير إلى كلّ ما ثبت كونه معصية إلهية .
إلّاأنّ القائلين بهذا القول عمّموه إلى كلّ ما يترتّب عليه مفسدة ويكون مخالفاً للنظام والحكومة وإن لم يكن معصية بحسب النصوص الشرعية .
نعم ، يمكن إرجاع هذا القول إلى الأوّل والجمع بينهما كما فعله بعض الفقهاء بأن يقال : إنّ ما يوجب التعزير على أنحاء ثلاثة :
الأوّل : كلّ فعل محرّم أمرت الشريعة بالتعزير عليه - كالاضطجاع مع الأجنبية مثلًا - وليس بوسع السلطة الحاكمة إزاء هذا النوع من الأفعال إلّاصلاحية تحديد العقوبة ، وليس من حقّها إباحة الفعل أو إسقاط العقوبة عنه .
الثاني : كلّ فعل حرّمه الشارع ولم يفرض له عقوبة وإنّما أسندت العقوبة عليه إلى اجتهاد السلطة الحاكمة .
الثالث : كلّ فعل لم يحرّم في أصل الشرع وإنّما فوّضت الشريعة وليّ الأمر المنع عنه حفظاً للمصلحة العامة ، فإذا منع عنه وليّ الأمر أصبح محرّماً بهذا الاعتبار « 2 » .
والوجه في ذلك : أنّ موجب التعزير هو ارتكاب المحظور الشرعي حتى في التعزيرات الحكومية حيث يكون منع الحاكم موجباً لحرمة المخالفة ، ويعدّ التخلّف عنه معصية ، فيجوز وضع العقوبة التعزيرية على ارتكاب المعاصي بناءً على ما تقدّم في القول الأوّل .
هامش
( 1 ) انظر : أسس الحدود والتعزيرات : 270 . دراسات في ولاية الفقيه 2 : 309 ، 383 . فقه الحدود والتعزيرات : 60 ( الطبعة الأولى المختصرة ) .
( 2 ) التشريع الجنائي الإسلامي ( الصدر ) : 133 - 134 ( الهامش ) . وانظر : فقه الحدود والتعزيرات : 59 - 61 ( الطبعة الأولى المختصرة ) .