نعم ، يختص ذلك فيما إذا كان الواجبان متساويين في الرتبة مع زيادة أحدهما على الآخر بكونه حقّ الناس ، فحينئذٍ يقدّم حقّ الناس ، وأمّا إذا اختلف المتزاحمان في المرتبة وبحسب الملاك بأن كان أحدهما أهم من الآخر - كما لو استفيد ذلك من دليله - فإنّ الأهم حينئذٍ مقدّم « 1 » .
هذا ، وأمّا تطبيقات هذه الكبرى فإليك منها على سبيل المثال ما يلي :
1 - إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمال آنية الذهب والفضّة أو استعمال المغصوب فقد أفتى الفقهاء هنا بتقديمهما « 2 » . وهذا وإن استدلّ له بعض الفقهاء بأهمية حرمة الغصب من حرمة استعمالهما كما يساعده ارتكاز المتشرّعة ، وأقوائية أدلّة حرمة الغصب ؛ لأنّها قرنت مال المسلم بدمه ، ولأنّها وردت بلسان : « . . . لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلّا بطيبة نفسه » « 3 » ، و « . . . لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه . . . » « 4 » ، في حين وردت أدلّة حرمة استعمال الآنية بلسان : لا ينبغي أو الكراهة ، فيستفاد من مجموع ذلك أهمية حرمة الغصب .
إلّاأنّ بعض الفقهاء رفض ذلك باعتبار أنّ الأقوائية في الدلالة أو السند إنّما هي من المرجّحات في المتعارضين ، وأمّا في باب التزاحم الذي لا تنافي ولا تكاذب فيه بين الدليلين بحسب الجعل لإمكان ثبوت المتزاحمين كليهما في الشريعة المقدّسة ، وإنّما يكون التنافي بينهما في مرحلة الامتثال من جهة عجز المكلّف عن صرف قدرته في امتثالهما ، فلا تكون الأقوائية في الدلالة أو السند موجبة لتقديم أحدهما على الآخر ، بل قد يتقدّم أضعفهما دلالة أو سنداً على أقواهما من الجهتين لأهميته بحسب الملاك .
والمقام من هذا القبيل حيث لا تعارض ولا تكاذب بين أدلّة حرمة الغصب وأدلّة حرمة استعمال الآنيتين ، فإنّ كلتا الحرمتين ثابتتان في الشريعة المقدّسة ،
هامش
( 1 ) انظر : مستند العروة ( الصلاة ) 1 / 5 : 308 - 309 .
( 2 ) انظر : العروة الوثقى 1 : 303 ، م 20 ، ولم يعلّق عليهالمحشّون بشيء فظاهرهم موافقته على ذلك .
( 3 ) الوسائل 5 : 120 ، ب 3 من مكان المصلّي ، ح 1 .
( 4 ) الوسائل 5 : 540 - 541 ، ب 3 من الأنفال ، ح 7 .