رغّب اللَّه تعالى عباده بالجنّة وخوّفهم من النار ، كما أمر نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر عباده على وجه الترغيب لهم في طاعته والترهيب عن معصيته « 1 » بقوله عزّ من قائل :
« نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ »
« 2 » ، وهما يصلحان في الدين والدنيا ؛ لأنّهما أصل كلّ تدبير وعليهما مدار كلّ سياسة ، عظمت أو صغرت « 3 » .
ثمّ إنّ من ثمرات الترغيب والترهيب تأديب الناس ؛ لأنّهم إذا تركوا وطبائعهم انساقوا مع الهوى وابتعدوا عن الفضائل « 4 » ، فالترغيب يصير محرّكاً نحو العمل « 5 » المحبوب المرغّب كما أنّ الترهيب يوجب الانزجار عن الشرّ ، وهما يسوقان الخلق إلى سعاداتهم « 6 » .
رابعاً - استخدام الشريعة أسلوب الترغيب :
الترغيب من اللَّه سبحانه وتعالى ترفّق بالعباد حيث بيّن الشارع محاسن الأحكام الإلهية وفضائلها ؛ ليرغب فيها ويحرص عليها الناس « 7 » ، كما قال سيّد الساجدين وزين العابدين عليه السلام في مناجاته : « وتلطّفت في الترغيب » « 8 » .
والمتعارف في القانون البشري ليس إلّا ضبط الموادّ وأصول القانون وقيودها ، لكنّ القانون الإلهي ليس كالقوانين البشرية ، حيث يتصدّى لهداية البشر من جانب التلطيف وذكر أصول الخير والسعادة الدنيوية والأخروية ؛ ولذا نرى في الكتاب العزيز الترغيب إلى روح القانون ، والمقصود الرئيسي منه هو تشكيل المدينة الفاضلة الاجتماعية والفردية « 9 » .
ولا ريب أنّ الترغيب من جانب الشارع لا يكون إلّافي عمل الخير « 10 » حيث اقتضى مقام الترغيب أن يكون العمل المرغوب إليه مطلوباً ومحبوباً للمرغّب « 11 » ؛ ولذا نرى سريانه في الواجبات والمندوبات ، وترك المحرّمات والمكروهات « 12 » ، وليس المقصود استقصاء موارد الترغيب بعد كثرتها ، وقد دوّنت في هذا الموضوع كتب متعدّدة . والآن نشير إلى الترغيب في هذه الأمور بصورة عامة ، وهي كما يلي :
1 - الترغيب في الواجبات :
حثّت الشريعة المقدّسة على أداء الواجبات ورغّبت في الالتزام بها وإتيانها ، كالترغيب في الصلوات الخمس ، وأداء الزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والولاية ، كما رواه أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال : « بني الإسلام على خمس : على الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والولاية ، ولم ينادَ بشيء ما نودي بالولاية » « 13 » .
هامش
( 1 ) التبيان 6 : 340 .
( 2 ) الحجر : 49 ، 50 .
( 3 ) انظر : الرسائل السياسية ( رسائل الجاحظ ) : 10 .
( 4 ) انظر : الرسائل السياسية ( رسائل الجاحظ ) : 10 .
( 5 ) الحاشية على الكفاية ( البروجردي ) 2 : 251 .
( 6 ) جامع السعادات 2 : 13 .
( 7 ) رياض السالكين 6 : 234 .
( 8 ) الصحيفة السجادية : 241 ، الدعاء 46 .
( 9 ) تفسير القرآن الكريم ( مصطفى الخميني ) 4 : 511 - 512 .
( 10 ) مجمع البيان 1 : 428 .
( 11 ) الحاشية على الكفاية ( البروجردي ) 2 : 251 .
( 12 ) انظر : مهذّب الأحكام 18 : 202 .
( 13 ) الوسائل 1 : 17 - 18 ، ب 1 من مقدّمة العبادات ، ح 10 .