إذ أنّ العلّة في فساد البيع ما دامت هي الغرر فلابدّ من أن يكون كلّ ما اشتمل على الغرر من العقود فاسداً ، عدا ما دلّ الدليل على جوازه كالصلح لابتنائه على المسامحة .
ثانيهما : رواية الحديث المتقدّم بصيغة أُخرى وهي : أنّه ( ص ) نهى عن الغرر « 1 » ، ووفقاً لذلك يكون النهي عن الغرر عامّاً لجميع العقود عدا ما أخرجه الدليل ، وارسال هذه الرواية مجبور بعمل الفقهاء ، مضافاً إلى أنّ العقلاء لا يقدمون على الغرر في جميع المعاملات ، وإلى الظاهر من طريقة الشرع ، وبنائها على قطع التشاجر والتجاذب بين الناس والغرر مّما يوجب ذلك دون شك . وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الإمامية « 2 » .
القول الثالث : تقسيم التصرّفات بلحاظ دخول الغرر وتأثيره عليها إلى ثلاثة أقسام :
أوّلها : المعاوضات المحضة ، وهي كلّ تصرّف يوجب تنمية المال ومقابلته بالعوض المقصود بالذات ، كالبيع بأقسامه والصلح أيضاً والإجارة منفعة وعوضاً . وهذا القسم لا تجوز فيه الجهالة والغرر ،
ثانيها : كلّ تصرّف متمحّض بالإحسان ، ولا يقصد به تنمية مال ولا تحصيل ربح ، كالصدقة ، والهبة ، والإبراء . وهذا لا تضرّ فيه الجهالة ؛ إذ لا ضرر في نقصه وزيادته .
ثالثها : التصرّف الذي يكون الغرض الأهم فيه أمراً وراء المعاوضات كالنكاح ؛ فإنّ المقصود الذاتي فيه هو تحصيل الأُلفة والمودّة وبالتالي التحصين من القبائح ، وتكثير النسل . ولكن في الوقت ذاته جعل الشرع فيه عوضاً ؛ لقوله تعالى :
« أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ »
« 3 » ،
« وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً »
« 4 » .
وهذا النوع من التصرّفات يجري فيه الاحتمالان ؛ فبالنظر إلى الجانب الأوّل فيه جاز تجريده عن المهر وجهالة قدره . وبالنظر إلى الجانب الثاني امتنع فيه الغرر الكثير ، كالتزويج على عبد آبق مجهول ، وجاز الغرر القليل ولذا حكم الفقهاء فيما لو تزوّجها على خادم أو بيت مثلًا كان لها
هامش
( 1 ) أرسلها جماعة من الإمامية . انظر : الخلاف 3 : 319 ، 330 . غنية النزوع : 264 . السرائر 2 : 358 . تذكرة الفقهاء 10 : 51 . القواعد والفوائد 2 : 61 .
( 2 ) العناوين الفقهية 2 : 312 - 313 . فقه الصادق 16 : 360 - 361 .
( 3 ) النساء : 24 .
( 4 ) النساء : 4 .