بعض فقهائهم بأنّ ترك جميع المستحبّات وإن لم يكن محرّماً إلا أنّه يوجب الخروج عن العدالة ؛ لأنّه ينافي المروءة « 1 » .
وهل أنّ ترك المستحبّ مكروه ؟
للفقهاء في ذلك قولان :
الأوّل : الكراهة « 2 » .
القول الثاني : عدم الكراهة « 3 » .
وذهب الأُصوليّون - من غير الحنفيّة - إلى أنّ المستحبّ يمدح فاعله ويثاب ، ولا يذمّ تاركه ولا يعاقب « 4 » . وذلك لأنّ ترك المستحبّ جائز ، غير أنّ هذا الترك إن ورد فيه نهي غير جازم نظر ، فإن كان مخصوصاً - كالنهي في حديث الصحيحين : ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلّي ركعتين ) « 5 » - كان مكروهاً ، وإن كان نهياً غير مخصوص - وهو النهي عن ترك المندوبات عامّة المستفاد من أوامرها - فإن الأمر بالشيء يفيد النهي عن تركه ، فيكون خلاف الأُولى ، كترك صلاة الضحى ، وذلك لأنّ الطلب بدليل خاص آكد من الطلب بدليل عام .
والمتقدّمون يطلقون المكروه على ذي النهي المخصوص وغير المخصوص ، وقد يقولون في الأوّل : مكروه كراهة شديدة ، كما يقال في المندوب : سنّة مؤكّدة « 6 » .
أمّا الحنفيّة فإنّهم ينصّون على أنّ الشيء إذا كان مستحبّاً أو مندوباً عندهم وليس سنّة ، فلا يكون تركه مكروهاً أصلًا ، ولا يوجب تركه إساءة أيضاً ، فلا يوجب عتاباً في الآخرة كترك سنن الزوائد ، بل أولى في عدم الإساءة وعدم استحقاق العتاب ؛ لأنّه دونها في الدوام والمواظبة ، وإن كان فعله أفضل « 7 » .
وهناك مباحث أُخرى في الاستحباب محلّها علم الأُصول .
هامش
( 1 ) مصابيح الظلام 1 : 459 - 460 .
( 2 ) مسالك الأفهام 1 : 52 .
( 3 ) رياض المسائل 1 : 169 - 170 . و 2 : 204 . جواهر الكلام 2 : 345 . و 13 : 266 . و 14 : 113 .
( 4 ) إرشاد الفحول : 6 . شرح جمع الجوامع 1 : 80 . الكليات 1 : 173 .
( 5 ) أخرجه البخاري ( فتح الباري ) 3 : 48 ، ط السلفية ) . صحيح مسلم 1 : 495 ، ط عيسى الحلبي .
( 6 ) شرح جمع الجوامع 1 : 81 .
( 7 ) كشاف اصطلاحات الفنون ( سنن ) 3 : 705 .