وكانت هذه الحلقات تسير في اتجاهين :
الأوّل : يؤمن بأنّ النصوص الشرعية - كتاباً وسنّة - وافية بتزويد المسلمين بجميع ما يحتاجونه من أحكام مدى الزمان .
ومثّل هذا الاتجاه الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأهل بيته وأصحابه .
الاتجاه الثاني : ذهب هذا الاتجاه إلى أنّ النصوص الشرعية غير وافية بذلك ، ولا بد من إضافة مصدر آخر لها ، وهو ما عرف ب ( الرأي ) أو ( الاجتهاد بالرأي ) ، ومثّل هذا الاتجاه عمر بن الخطاب وجمع من الصحابة .
وهذا مسلّم به لدى المؤرخين الذين أرّخوا للفكر الإسلامي بعامة أو لأُصول الفقه الإسلامي بخاصة « 1 » . وجاء في مقدمة كتاب موسوعة فقه إبراهيم النخعي : « إنّ الأستاذ الأوّل لمدرسة الرأي هو عمر بن الخطاب ؛ لأنّه واجه من الأُمور المحتاجة إلى التشريع ما لم يواجهه خليفة قبله ولا بعده » « 2 » ، وقال ابن تيمية : « كان الإمام أحمد يقول : إنّه ما من مسألة يُسأل عنها إلا وقد تكلم الصحابة فيها أو في نظيرها ، والصحابة كانوا يحتجّون في عامة مسائلهم بالنصوص ، كما هو مشهور عنهم ، وكانوا يجتهدون برأيهم ، ويتكلمون بالرأي ، ويحتجّون بالقياس الصحيح أيضاً » « 3 » .
أما موقف أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلى رأسهم علي بن أبي طالب فنراه صريحاً في الروايات المنقولة عنهم .
منها : ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : « إياكم وأصحاب الرأي ، فإنهم أعيتهم السنن أن يحفطوها ، فقالوا في الحلال والحرام برأيهم ، فأحلوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحّل الله ، فضلّوا وأضلّوا » « 4 » .
ومنها : ما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، أنّه سُئل عمّا يقضي به القاضي ، قال : « بالكتاب ، قيل : فما لم يكن بالكتاب ؟ قال : بالسنّة ، قيل : فما لم يكن بالكتاب ولا في السنّة ؟ قال : ليس
هامش
( 1 ) انظر : فجر الإسلام ( لأحمد أمبن ) : 236 ، 237 ، 238 .
( 2 ) 1 : 127 .
( 3 ) مجموع فتاوى ابن تيمية 19 : 258 .
( 4 ) مستدرك الوسائل 17 : 256 - 257 ، ب 6 من آداب القاضي ، ح 8 .