القبايح العقلية إن تركت لوجه وجوب تركها كان ذلك مصلحة دينية ، وإن
تركت لا لذلك كانت مصلحة دنيوية ، لأن في ترك الظلم والكذب مصلحة
دنيوية ضرورة اشتماله ( 1 ) على مصلحة النظام ، لكن معنى ترك القبيح لقبحه
هوان الداعي إلى ترك الظلم هو كونه ظلما وذلك من صفات القلوب ، فإن
جعلنا الإمام لطفا في ترك القبيح ، سواء كان لوجه قبحه أو لا لوجه قبحه ،
كان ذلك الترك مصلحة دنيوية ، فيكون الإمام لطفا في المصالح الدنيوية ،
وذلك غير واجب بالاتفاق على الله تعالى ، وإن جعلناه لطفا في ترك القبيح
لوجه قبحه ، فقد جعلنا الإمام لطفا في صفات القلوب لا في أفعال
الجوارح ، وذلك باطل لأن الإمام لا اطلاع له على الباطن .
لا يقال : يحصل بسببه المواظبة على فعل الواجبات وهو يفيد استعدادا
تاما لخلوص الداعي في أن ذلك الفعل يفعل لوجه وجوبه ، ويترك لوجه
قبحه ، وذلك مصلحة دينية ، لأنا نقول : هذا يقتضي وجوب اللطف في
المصالح الدنيوية على الله تعالى لأن على ذلك التقدير تكون المصالح الدنيوية
والمواظبة عليها سببا لرعاية المصالح الدينية وذلك غير واجب اتفاقا ، لأنا
نجيب :
عن الأول : بأنه قد بينا أن الإمام لطف لا يقوم غيره مقامه ، ونزيد
هيهنا فنقول إن قيام البدل قيام البدل لا يتصور إلا في حال عدمه ، وقد قلنا في
صدر هذه المسألة إنا نعلم ضرورة أن التقريب والتبعيد عند عدم نصب
الإمام أو تمكينه ( 2 ) على عكس ما ينبغي ، فيستحيل أن يكون له بدل ،
ولقوله تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع
وصلوت ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله
لقوي عزيز ) حكم بلزوم هذه المفاسد لانتفاء الرئيس فلو قام غيره مقامه لم
تكن لازمة لانتفاء الرئيس ، ولقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
هامش
( 1 ) أي اشتمال ترك الظلم والكذب .
( 2 ) أي عدم تمكينه عطفا على نصب الإمام .