شهدت عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بشويحطات « 1 » النجّار وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممّن يليه ، واستتر بمغيلات النخل « 2 » فافتقدته وبعد عليّ مكانه ، فقلت :
لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول : « إلهي ، كم من موبقة حملت عنّي فقابلتها « 3 » بنعمتك ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك » .
فشغلني الصوت واقتفيت الأثر ، فإذا هو عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بعينه ، فاستترت له ، وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثمّ فزع إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشّكوى ، فكان ممّا ناجى به اللّه أن قال : « إلهي ، أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي » .
ثمّ قال : « آه إن أنا قرأت في الصّحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول :
خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنّداء » .
ثمّ قال : « آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشوى ، آه من غمرة من ملهبات « 4 » لظى » .
قال : ثمّ أنعم « 5 » في البكاء ، فلم أسمع له حسّا ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السّهر ، أو قظه لصلاة الفجر . قال أبو الدرداء : فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ،
هامش
( 1 ) الشوحط : ضرب من شجر جبال السّراة تتّخذ منه القسي ، ونباته قضبان تنمو كثيرة من أصل واحد ، وورقه رقاق طوال ، وله ثمرة مثل العنبة الطويلة إلّا أنّ طرفها دقيق ، وهي لينة تؤكل ، واحدته : شوحطة .
( 2 ) في نسخة : « ببعيلات النخل » .
( 3 ) في نسخة : « حلمت عن مقابلتها » .
( 4 ) في نسخة : « لهبات » .
( 5 ) في نسخة : « انغمر » .