أيّاما إلى الجهاد فلم ينفروا - : « أيّها النّاس ، إنّي قد استنفرتكم فلم تنفروا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا ، فأنتم شهود كأغياب « 1 » ، وصمّ ذوو أسماع ، أتلو عليكم الحكمة ، وأعظكم بالموعظة الحسنة ، وأحثّكم على جهاد عدوّكم الباغين ، فما آتي على آخر منطقي حتّى أراكم متفرّقين ، أيادي سبأ « 2 » ، فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين « 3 » ، تضربون الأمثال ، وتتناشدون الأشعار ، وتسألون عن الأخبار ، قد نسيتم الاستعداد للحرب ، وشغلتم قلوبكم بالأباطيل ، تربت أيديكم ، اغزوا القوم قبل أن يغزوكم ، فو اللّه ما غزي قوم في عقر ديارهم « 4 » إلّا ذلّوا .
وأيم اللّه ما أراكم تفعلون حتّى يفعلوا ، ولوددت أنّي لقيتهم على نيّتي وبصيرتي فاسترحت من مقاساتكم ، فما أنتم إلّا كإبل جمّة ضلّت « 5 » راعيها فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب آخر ، واللّه لكأنّي بكم « 6 » لو حمس الوغى « 7 » وأحمّ البأس قد انفرجتم عن عليّ بن أبي طالب [ انفراج الرأس و ] انفراج المرأة عن قبلها » « 8 » .
فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال له : يا أمير المؤمنين ، فهلّا فعلت كما فعل ابن عفّان ؟
فقال عليه السّلام له : « يا عرف النّار ! ويلك إنّ فعل ابن عفّان لمخزاة على من لا دين له
هامش
( 1 ) في الغارات : « كغيّاب » ، وفي نهج البلاغة : « شهود كغيّاب وعبيد كأرباب أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها » .
( 2 ) إنّ سبأ هو أبو عرب اليمن ، كان له عشرة أولاد ، جعل منهم ستّة يمينا ، وأربعة شمالا ، تشبيها لهم باليدين ، ثمّ تفرّق أولئك الأولاد أشدّ التفرّق .
( 3 ) الحلق - بفتح الحاء وكسرها وفتح اللام - : جمع حلقة ، والعزة : الفرقة من النّاس .
( 4 ) العقر من الدار : وسطها .
( 5 ) في نسخة : « أضلّ » .
( 6 ) وبعده في النهج : « فيما أخالكم » .
( 7 ) حمس الوغى : اشتدّ الحرب .
( 8 ) قوله عليه السّلام : « انفراج المرأة عن قبلها » ، أي وقت الولادة ، أو عندما يسرع عليها سلاح ، وفيه كناية عن العجز والدناءة في العمل .