فلمّا أتى موضعا من أرضها قال : « ما هذه الأرض » ؟
قيل : أرض بحرا .
فقال : « أرض سباخ « 1 » جنّبوا ويمّنوا » .
فلمّا أتى يمنة السواد فإذا هو براهب في صومعة له فقال له : « يا راهب ، أنزل ها هنا » ؟
فقال له الراهب : لا تنزل هذه الأرض بجيشك .
قال : « ولم » ؟
قال : لأنّه لا ينزلها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ بجيشه ، يقاتل في سبيل اللّه عزّ وجلّ ، هكذا نجد في كتبنا .
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : « فأنا وصيّ سيّد الأنبياء ، وسيّد الأوصياء » .
فقال له الراهب : فأنت إذن أصلع قريش ووصيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله ؟
قال له أمير المؤمنين : « أنا ذلك » .
فنزل الراهب إليه ، فقال : خذ عليّ شرائع الإسلام ، إنّي وجدت في الإنجيل نعتك ، وأنّك تنزل أرض براثا « 2 » بيت مريم ، وأرض عيسى عليه السّلام .
هامش
( 1 ) السبخة - محرّكة ومسكّنة - : أرض ذات نزّ وملح ، ج : سباخ . ( القاموس ) .
( 2 ) قال ياقوت في معجم البلدان : ج 1 ص 363 : براثا - بالثاء المثلّثة والقصر : محلّة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محوّل ، وكان لها جامع مفرد تصلّي فيه الشيعة وقد خرب عن آخره ، وكذلك المحلّة لم يبق لها أثر ، فأمّا الجامع فأدركت أنا بقايا من حيطانه وقد خربت في عصرنا واستعملت في الأبنية ، وفي سنة 329 فرغ من جامع براثا وأقيمت فيه الخطبة ، وكان قبل مسجدا يجتمع فيه قوم من الشيعة يسبّون الصحابة ، فكبسه الراضي باللّه وأخذ من وجده فيه وحبسهم وهدمه حتّى سوّى به الأرض ، وأنهى الشيعة خبره إلى بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداء فأمر بإعادة بنائه وتوسيعه وإحكامه ، وكتب في صدره اسم الراضي ، ولم تزل الصلاة تقام فيه إلى بعد الخمسين وأربع مئة ، ثمّ تعطّلت إلى الان .
وكانت براثا قبل بناء بغداد قرية يزعمون أنّ عليّا مرّ بها لمّا خرج لقتال الحروريّة بالنهروان وصلّى في موضع من الجامع المذكور ، وذكر أنّه دخل حمّاما كان في هذه القرية ، وقيل : بل الحمّام الّتي دخلها كانت بالعتيقة محلّة ببغداد خربت أيضا .