المحنة وانقضاء المدّة ، فمال رجل لضغنه وأصغى آخر إلى صهره مع هن وهن « 1 » ، إلى أن قام الثالث نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه « 2 » منها ، وأسرع معه بنو أبيه في مال اللّه يخضمونه خضم الإبل نبتة « 3 » الربيع ، حتّى انتكثت به بطانته « 4 » ، وأجهز عليه عمله « 5 » .
فما راعني من النّاس إلّا وهم رسل كعرف الضبع « 6 » ، يسألوني أن أبايعهم وآبى ذلك ، وانثالوا « 7 » عليّ حتّى لقد وطئ الحسنان وشقّ عطافي « 8 » ، فلمّا نهضت بها وبالأمر فيها نكثت طائفة « 9 » ، ومرقت طائفة « 10 » ، وقسط آخرون « 11 » ، كأنّهم لم يسمعوا اللّه يقول :
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا
هامش
( 1 ) في النهج : « فصغا رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هن وهن » . الضّغن :
الحقد . مع هن وهن : أي أغراض أخرى أكره ذكرها .
( 2 ) نافجا حضنيه : رافعا لهما ، والحضن : ما بين الإبط والكشح ، يقال للمتكبّر : جاء نافجا حضنيه . والنثيل : الروث وقذر الدوابّ . والمعتلف : موضع العلف .
( 3 ) الخضم : أكل الشيء الرّطب ، والخضمة : مصدر هيئة . والنّبتة : كالنبات في معناه .
( 4 ) انتكث : انتقض . والبطانة : السريرة .
( 5 ) أجهز عليه عمله : تمّم قتله . وفي النهج : « إلى أن انتكث عليه قتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته » .
( 6 ) عرف الضبع : ما كثر على عنقها من الشعر ، وهو ثخين يضرب به المثل في الكثرة والازدحام .
( 7 ) تناثل القوم إلى فلان : اجتمعوا إليه من كلّ صوب .
( 8 ) العطاف : الرداء . وفي النهج : « عطفاي » ، شقّ عطفاه : خدش جانباه من الاصطكاك .
وزاد بعده في النهج : « مجتمعين حولي كربيضة الغنم » .
( 9 ) نكثت طائفة : نقضت عهدها ، أراد بتلك الطائفة الناكثة أصحاب الجمل وطلحة والزبير .
( 10 ) مرقت : خرجت ، أراد بتلك الطائفة المارقة الخوارج أصحاب النهروان .
( 11 ) قسط آخرون : جاروا ، وأراد بالجائرين أصحاب صفّين معاوية وأصحابه .