[ قالوا : مات يا رسول اللّه .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « رحم اللّه قسّ بن ساعدة ] كأنّي أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل أورق وهو يتكلّم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه » « 1 » .
فقال رجل من القوم : أنا أحفظه يا رسول اللّه ، سمعته وهو يقول بسوق عكاظ :
أيّها النّاس اسمعوا ، وعوا ، واحفظوا : من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وبحار ترجرج ، ونجوم تزهر ، ومطر ونبات ، وآباء وامّهات ، وذاهب وآت ، وضوء وظلام ، وبرّ وآثام ، ولباس ورياش ومركب ، ومطعم ومشرب ، إنّ في السماء لخبرا ، وإنّ في الأرض لعبرا ، ما لي أرى النّاس يذهبون ولا يرجعون ؟ أرضوا بالمقام هناك فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا ؟ يقسم باللّه قسّ بن ساعدة قسما برّا لا إثم فيه ، ما للّه على الأرض دين أحبّ إليه من دين قد أظلّكم زمانه ، وأدرككم أوانه ، طوبى لمن أدرك صاحبه
هامش
- على شرف وخطب عليه ، وأوّل من قال في كلامه : « امّا بعد » ، وأوّل من اتّكأ عند خطبته على سيف أو عصا ، وأدركة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قبل النبوّة ورآه بعكاظ ، فكان يؤثر عنه كلاما سمعه منه ، وسئل عنه فقال : « يحشر امّة وحده » .
وعدّه المسعودي في أهل الفترة ممّن كان بين المسيح ومحمّد صلّى اللّه عليهما وآله وسلّم في كتابه « مروج الذهب » : ج 1 ص 82 وقال : قسّ بن ساعدة الأيادي من أياد بن أد بن معد ، وكان حكيم العرب ، وكان مقرّا بالبعث ، وهو الّذي يقول : « من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت » وقد ضرب العرب بحكمته وعقله الأمثال .
( 1 ) في نسخة مطبوعة : « ما أجدني حفظه » .
قال العلّامة المجلسي قدّس سرّه في البحار : قوله صلّى اللّه عليه وآله : « ما أجدني حفظه » لعلّه كان في الأصل « ما أجودني » فصحّف ، ويحتمل أن يكون قال ذلك على جهة المصلحة ليسمع النّاس من القوم ، ويحتمل أنّه صلّى اللّه عليه وآله لم يحفظه لاشتماله على الشعر لمصلحة ، ولذا قيل إنّه إذا تمثّل ببيت شعر يكسره ، أو كان يجرى على لسانه منكسرا ، كما روي أنّه كان يتمثّل بقول الشاعر :ستبدى لك الأيّام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزودفجعل يقول : « يأتيك من لم تزود بالأخبار » ، فقيل له : ليس هكذا يا رسول اللّه ، فيقول :
إنّي لست بشاعر وما ينبغي لي .