شحمة قال : حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن سعيد بن هاشم القناني البغدادي سنة خمس وثمانين ومئتين ، قال : حدّثنا أحمد بن صالح قال : حدّثنا حسّان بن عبد اللّه الواسطي قال : حدّثنا عبد اللّه بن لهيعة ، عن أبي قبيل ، عن عبد اللّه بن عمر قال :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « كان من زهد يحيى بن زكريّا عليهما السّلام أنّه أتى بيت المقدس ، فنظر إلى المجتهدين من الأحبار والرهبان ، عليهم مدارع الشعر وبرانس الصوف ، وإذا هم قد خرقوا تراقيهم ، وسلكوا فيها السلاسل ، وشدّوها إلى سواري المسجد ، فلمّا نظر إلى ذلك أتى امّه فقال : يا امّاه ، انسجي لي مدرعة من شعر وبرنسا « 1 » من صوف حتّى آتي بيت المقدس ، فاعبد اللّه مع الأحبار والرهبان ، فقالت له امّه : يأتي نبيّ اللّه وأؤامره « 2 » في ذلك .
فلمّا دخل زكريّا عليه السّلام أخبرته بمقالة يحيى ، فقال له زكريّا : يا بنيّ ، ما يدعوك إلى هذا وإنّما أنت صبيّ صغير ؟ !
فقال له : يا أبه ، أما رأيت من هو أصغر سنّا منّي وقد ذاق الموت ؟
قال : بلى ، ثمّ قال لامّه : انسجي له مدرعة من شعر وبرنسا من صوف .
ففعلت .
فتدرّع المدرعة على بدنه ، ووضع البرنس على رأسه ، ثمّ أتى بيت المقدس ، فأقبل يعبد اللّه عزّ وجلّ مع الأحبار حتّى أكلت مدرعة الشعر لحمه ، فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه فبكى ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه : يا يحيى ، أتبكي ممّا قد نحل من جسمك ؟ وعزّتي وجلالي لو اطّلعت على النّار اطّلاعة لتدرّعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج « 3 » ! فبكى حتّى أكلت الدموع لحم خدّيه ، وبدا
هامش
- ورواه ابن قتيبة في كتاب الزهد من عيون الأخبار : 2 : 294 - 295 من طريق الليث بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن لهيعة ، عن أبي قبيل ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، بتفاوت ، ولم ينسبه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
( 1 ) المدرعة - بكسر الميم - : القميص . والبرنس : قلنسوة طويلة كان النسّاك يلبسونها .
( 2 ) أؤامره : أشاوره .
( 3 ) في نسخة : « المسوح » .