ويقول ابن خلدون في المقدمة : ( ثم إنّ نصب الإمام واجب ، قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ، لأنّ أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه ، وتسليم النظر إليهم في أمورهم ، وكذا في كل عصر من بعد ذلك ، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار ، واستقرّ ذلك إجماعاً دالًاّ على وجوب نصب الإمام ) « 1 » .
ويقرّر التفتازاني الإجماع السابق في شرحه على المقاصد ، ولا يستثني من هذا الإجماع من طوائف المسلمين إلّا ( النجدات ) وهم قوم من الخوارج ، أصحاب نجدة بن عويمر « 2 » .
ويبدو أنّ استثناء الأصمّ من المعتزلة ، والنجدات من الخوارج غير دقيق .
أمّا الأصمّ فقد قال صاحب كتاب المغني : عبد الجبار بن أحمد ، شيخ المعتزلة :
أنّ شيخه الجبّائي حكى عن الأصمّ : ( أنّه لو أنصف الناس بعضهم بعضاً ، وزال التظالم ، وما يوجب إقامة الحدّ ، لاستغنى الناس عن الإمام .
ثم قال : والمعلوم من حال الناس خلاف ذلك ، فإذن علم من قوله أنّ إقامته واجب ) « 3 » .
وبهذا الإجماع يصرّح جمع من فقهاء أهل السنّة والظاهرية .
وأمّا الخوارج فقد كانوا على هذا الرأي أولًا ، ثم عدلوا عنه وأمّروا عليهم عبد اللَّه بن وهب الراسبي .
ولتوضيح هذا الإجماع نقول : إنّ مصبّ هذا الإجماع هو تمكين المتأهّل المستحقّ للإمامة من الإمامة ، وممارسة الحكم فيما بين المسلمين . . . ، ويختلف
هامش
( 1 ) . مقدّمة ابن خلدون : 191 .
( 2 ) . شرح المقاصد للتفتازاني 2 : 273 ط - الآستانة التركية .
( 3 ) . المغني : 48 الجزء المتمّم للعشرين ، القسم الأول في الإمامة ، نقلًا عن كتاب رئاسة الدولة : 62 .