أمّا النقض فبأحكام كثيرة واردة فيما تعمّ به البلوى مع كون الخبر الدال عليها من الآحاد ، وذلك مثل ما ذكره العلّامة الحلّي من أنّ الصحابة رجعوا في أحكام الرعاف والقيء والقهقهة في الصلاة إلى الآحاد ، مع عموم البلوى فيها « 1 » . وما ذكره الآمدي من أنّ الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب الغسل من مس الميت ، وإفراد الإقامة وتثنيتها من قبيل ما تعمّ به البلوى ، ومع ذلك قد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد « 2 » .
قال الغزالي ردّاً على أبي حنيفة : « إن عنيت به ما يتكرّر في اليوم والليلة كالصلاة والطهارة فليس كذلك ، إذ معظم الصور المتعلّقة بالصلاة والسهو فيها انفرد به الآحاد . . .
وقالوا لو كان لاستفاض ، فإنّ البسملة متكررة ، وهذا يعارضه إنّ الإسرار لو وقع لاستفاض أيضاً . . . » « 3 » .
وأمّا الحلّ فبأنّ ذلك مقتضى إطلاق أدلة حجّية الخبر من الآيات والأخبار ونحوهما « 4 » .
قال الآمدي : « وأمّا القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد لا لأنّه ممّا تعمّ به البلوى ، بل لأنّه المعجز في إثبات نبوّة النبي صلى الله عليه وآله ، وطريق معرفته متوقف على القطع » « 5 » .
نعم ، قد يقال بأنّ المخبر به إذا كان ممّا كثرت الدواعي وتوفرت على نقله بحيث يستحيل عادةً في مثله وحدة الخبر ، كقتل أمير في السوق ، أو وقوع زلزلة ونحوهما ، فإنّ وحدة الخبر في مثل ذلك يكشف عن كذب الخبر ، كما صرّح به الغزالي « 6 » . وهذا في الحقيقة من صغريات المسألة الآتية .
كما قد يقال بصحّة مقولة أبي حنيفة في مقام ترجيح أحد المتعارضين ، حيث إنّ الخبر الواحد فيما لاتعمّ به البلوى أبعد عن الكذب إذا كان فيما يعمّ به البلوى « 7 » وحينئذٍ يعدّ ذلك من المرجّحات غير المنصوصة لأحد المتعارضين على الآخر .
السابع : عموم الابتلاء وكشفه عن عدم الحكم ( عدم الدليل دليل العدم )
قد يعتبر عدم وجدان الدليل على حكم في مسألة كأمارة على انتفاء ذلك الحكم في الشريعة واقعاً ، خصوصاً إذا كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى ، وهي من القرائن الموجبة لاطمئنان الفقيه ، ببيان : أنّ المسألة إذا كانت كذلك فقد تكثر الدواعي إلى نقلها والسؤال حولها عن المعصوم عليه السلام ، فإذا لم يجد الفقيه في حكم مثل تلك المسألة بياناً من صاحب الشريعة فقد يطمئنّ بعدم الحكم له واقعاً ، من دون احتياج إلى التمسّك بالأصول العملية المؤمِّنة من البراءة ونحوها ؛ لحصول العلم له على الفرض .
قال المحقّق الحلّي : « اعلم أنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشرعية ، فإذا ادّعى مدّعٍ حكماً شرعيّاً جاز لخصمه أن يتمسّك بالبراءة الأصلية ، ويقول : لو كان ذلك الحكم ثابتاً لكان عليه دلالة شرعية ، لكن ليس كذلك ، فيجب نفيه ، ولايتمّ ذلك إلّاببيان مقدمتين . . . » « 8 » . وقوله :
« فيجب نفيه » قرينة على أنّ مراده من الأصل ليس أصالة البراءة ، بل المراد حصول العلم بالعدم .
وقال الفاضل التوني ذيل هذا الكلام : « ولا يخفى أنّ هاتين المقدّمتين ممّا لا سبيل إليه إلّافيما تعمّ به البلوى » « 9 » .
هامش
( 1 ) . مبادئ الوصول : 209 .
( 2 ) . الإحكام 1 - 2 : 340 .
( 3 ) . المنخول : 285 .
( 4 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 339 - 340 ، مبادئ الوصول : 209 .
( 5 ) . الإحكام 1 - 2 : 342 .
( 6 ) . المنخول : 247 - 248 ، المستصفى 1 : 201 - 202 .
( 7 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 469 .
( 8 ) . معارج الأصول : 212 .
( 9 ) . الوافية : 179 .