على كيفية التعامل مع الاقتصاد العالمي ، ومعرفة ضروب السياسة والسياسيين ومعادلاتهم المفروضة ، وإدراك الموقع الذي يحتله النظام الرأسمالي والشيوعي في العالم ، والتعرّف على نقاط قوتهما وضعفهما إذ هما اللذان يحدّدان استراتيجية التسلط على العالم ، كلّ ذلك من مزايا المجتهد الجامع » « 1 » .
النقطة الثانية : الفرق بين المعنى الصحيح لهذا البحث ، وبين ما يسمى ب ( عقلنة الفقه ) واللجوء إلى الرأي والاستنباط بمعزل عن الأصول والأدلة الشرعية .
الروايات الدالة على مدخلية الزمان والمكان في تبدل الحكم
هناك روايات متعدّدة تدلّ في الجملة على تأثير الزمان والمكان في تغيّر الأحكام ، ويمكن تصنيفها على طوائف :
الطائفة الأولى : الروايات الدالة على تغيّر الأحكام
الصادرة من النبيّ صلى الله عليه وآله بصفته حاكماً ، وتمتاز هذه الروايات بذكر أحكام متعدّدة تنصب على موضوع واحد لا يتغير ، وإنّما المتغيّر هو الحكم تبعاً للمصالح والمفاسد المتغيّرة من زمان إلى آخر ، والتي يشخصها الحاكم الإسلامي في إطار سلطته التشريعية ، فهي بطبيعتها أحكام مؤقتة ، وليست من سنخ الأحكام التعبّدية والمقدّرات الشرعية التي نصّ عليها الوحي « 2 » .
من هذه الروايات النهي عن بيع الحمر الأهلية : فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله : « نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن أكلها يوم خيبر ، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت ؛ لأنّها كانت حمولة الناس ، وإنّما الحرام ما حرّم اللَّه في القرآن » « 3 » .
ومنها : المنع من حبس الأضاحي عن أهل الحاجة أزيد من ثلاثة أيام في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله ، وعلل الإمام الصادق ذلك : إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إنّما نهى عن ذلك أولًا لأنّ الناس كانوا يومئذٍ مجهودين ، فأمّا اليوم فلا بأس » « 4 » .
الطائفة الثانية : الروايات الدالة على تبدّل الحكم
نتيجة زوال الملاك السابق وظهور ملاك جديد « 5 » ، منها : ما روي عن أبي عبداللَّه عليه السلام إنّه قال : « لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحر المملوكة اليوم ، إنّما كان ذلك حيث قال اللَّه عزّ وجلّ :
« وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا »
« 6 » والطول المهر ، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل » « 7 » .
ومنها : ما روي عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن الوبا بناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أخرى ، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره ؟ ، فقال : « لا بأس إنّما نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن ذلك لمكان ربية كان بحيال العدو فوقع فيهم الوباء فهربوا منه ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : الفار منه كالفار من الزحف ؛ كراهية أن تخلو مراكزهم » « 8 » .
الطائفة الثالثة : الروايات الدالة على تبدّل الحكم
لطرو بعض العناوين المحرّمة على الموضوع « 9 » .
كلمات الفقهاء
هناك كلمات لبعض الفقهاء يستكشف منها مدخلية الزمان والمكان في تغيّر الحكم الشرعي في الجملة .
يقول العلّامة الحلّي : « الأحكام منوطة بالمصالح ، والمصالح تتغير بتغيّر الأوقات وتختلف باختلاف المكلّفين ، فجاز أن يكون الحكم المعيّن مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به ، ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه » « 10 » .
ويقول الشهيد الأول : « يجوز تغيّر الأحكام بتغيّر العادات ، كما في النقود المتعاورة والأوزان المتداولة ، ونفقات الزوجات والأقارب ، فإنّها تتبع عادةً ذلك الزمان الذي وقعت فيه . . . » « 11 » .
ويقول المحقّق الكركي : « وإن لم تكن [ الحادثة ] داخلة تحت شيء من الكلّيات المبحوث فيها من المتقدمين ، واختصت بالوقوع في زمان [ المجتهد ] ، بحث فيها ، وتصرف فيها كتصرف المجتهدين في الحوادث المتقدمة بمراجعته للأصول ، بأن ينسبها إلى أحد الأدلة المقرّرة ، فيستنبط حكمها من ذلك الدليل » « 12 » .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق : 183 .
( 2 ) . انظر : كشف المراد : 485 - 486 ، الموافقات 2 : 305 ، الاجتهاد والتقليد ( شمس الدين ) : 161 - 164 ، 168 - 170 ، مقدمة نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 5 : 83 - 94 ، أصول الفقه الإسلامي ( الزحيلي ) 2 : 1116 - 1118 .
( 3 ) . وسائل الشيعة 24 : 117 - 120 كتاب الأطعمة والأشربة ، باب ( 4 ) كراهة لحوم الحمر الأهلية وعدم تحريمها ح 1 ومثله ح 2 و 7 و 10 .
( 4 ) . وسائل الشيعة 14 : 169 - 171 كتاب الحج ، أبواب الذبح ، باب ( 41 ) جواز أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام وادخارها ح 5 ومثله ح 4 و 6 و 7 .
( 5 ) . مقدمة نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 5 : 90 - 91 .
( 6 ) . النساء : 25 .
( 7 ) . وسائل الشيعة 20 : 508 كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، باب ( 45 ) كراهة تزويج الحرّ الأمة دوماً إلّامع عدم الطول وخوف العنت ح 5 .
( 8 ) . وسائل الشيعة 2 : 429 - 430 كتاب الطهارة ، أبواب الاحتضار ، باب ( 20 ) جواز الفرار من مكان الوباء والطاعون إلّامع وجوب الإقامة فيه كالمجاهد والمرابط ح 1 ، ومثله ح 2 .
( 9 ) . من لا يحضره الفقيه 1 : 173 كتاب الصلاة ، باب ما يصلّى فيه ولا ما يصلّى فيه من الثياب ذيل ح 68 .
( 10 ) . كشف المراد : 485 - 486 .
( 11 ) . القواعد والفوائد 1 : 151 - 152 .
( 12 ) . رسائل المحقّق الكركي 3 : 51 - 52 ، وراجع كلمات أخرى : مجمع الفائدة 3 : 436 ، الوافي 20 : 745 ، جواهر الكلام 16 : 218 و 22 : 199 و 23 : 375 .