تأريخ الاستفتاء
يرجع تأريخ الاستفتاء إلى بدايات ظهور التشريع الإسلامي ، فقد كان المسلمون الأوائل يستفتون النبيّ صلى الله عليه وآله في مسائل تتعلق بحياتهم وأمور معاشهم ، وقد أمر سبحانه بإرجاع الأمر إليه :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا »
« 1 » . فكانوا يسألونه ويستفتونه في كلّ شيء « فكلما وقعت حادثة تتطلب حكماً لجأ الصحابة إلى رسول اللَّه ؛ باعتباره المرجع الوحيد لهم يسألونه البيان ، فإذا لم يكن عنده حكمها تطلّع إلى السماء ، فيأتيه الوحي تارةً بآية أو آيات من القرآن الكريم فيها جواب سؤالهم ، وطوراً ينزل بغير قرآن يبيّن الجواب ويترك له التعبير عنه ، وهو ما عرف بالسنّة » « 2 » .
و « إذا عرض لهم أمر يقتضي بيان الحكم رجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وآله ، فيفتيهم تارةً بالآية أو الآيات ينزل عليه الوحي بها من عند اللَّه ، وتارةً بالحديث » « 3 » .
حتى أنّ القرآن الكريم في كثير من الأحيان كان ينزل جواباً لسؤال أو ردّاً على استفتاء . وقد أخبر عن ذلك بقوله :
« يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ »
« 4 » وقوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . . »
« 5 » ، وقوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ . . . »
« 6 » ، وقوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
« 7 » ، وقوله تعالى :
« وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ »
« 8 »
.
إلى غير ذلك من الآيات التي تتعرّض لبعض الأحكام في معرض الجواب عن سؤال وجّه إليه صلى الله عليه وآله أو حادثة استفتي فيها .
وشأن السنّة في ذلك شأن القرآن ، فكان صلى الله عليه وآله يجيب ويحدّث بأمور بعد أن يستفتى أو يسأل عنها « 9 » .
ولم يكن هذا الأمر خاصّاً بعصر النبي صلى الله عليه وآله بل امتد إلى مختلف العصور والأزمان ، فكان الناس يستفتون من هم أهلًا للإفتاء في شؤون دنياهم وآخرتهم ، وخصوصاً فيما يتعلّق بالمسائل المستجدّة والأمور الحادثة في كلّ عصر .
ثانياً : الألفاظ ذات الصلة
أ - التقليد :
« العمل بقول الغير من غير حجّة ملزمة » « 10 » ، أو « العمل اعتماداً على رأي الغير » « 11 » . ويبدو أن الفرق بين التقليد والاستفتاء هو : أنّ الأول يتضمّن العمل بقول وفتوى المجتهد ؛ ولذلك جاء في تعريفه قيد « العمل » ، وأمّا الاستفتاء ، فهو في حدّ نفسه طلب الفتوى واستبيان الحكم الشرعي من المجتهد وإن كان قد يستتبع العمل فيما بعد .
( تقليد )
هامش
( 1 ) . النساء : 59 .
( 2 ) . المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي : 74 - 75 .
( 3 ) . تأريخ الفقه الإسلامي ( السايس ) : 15 .
( 4 ) . النساء : 176 .
( 5 ) . البقرة : 215 .
( 6 ) . البقرة : 217 .
( 7 ) . البقرة : 219 .
( 8 ) . النساء : 127 .
( 9 ) . راجع : المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي : 75 - 76 ، تأريخ الفقه الإسلامي ( السايس ) : 19 ، الفكر السامي 1 : 27 - 28 .
( 10 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 445 .
( 11 ) . مستمسك العروة الوثقى 1 : 12 .