القول الخامس : التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي وغيره
بناءً على هذا الرأي لا يعتبر الاستصحاب في الحكم الكلّي ويعتبر في غيره ، فيجري في موارد الشكّ بالشبهات الموضوعية ولا يجري في الأحكام الكلّية ، سواء أكانت وضعية أم تكليفية ، واستثنوا منها استصحاب عدم النسخ ، بدعوى قيام الإجماع أو لضرورة في اعتبار العمل بالاستصحاب في أحكام اللَّه .
وهو اختيار « 1 » بعض الأخباريين كالمحدّث الأسترآبادي « 2 » .
استدلَّ على هذا الرأي بدليلين :
الأوَّل : عدم شمول أدلَّة الاستصحاب للحكم الكلّي .
الثاني : لا حاجة للعمل بالاستصحاب ؛ باعتبار أنَّ ما من واقعة إلَّاولها حكم .
يردُّ الدليل الأوَّل بما تقدَّم : من كون أدلَّة الاستصحاب عامة ولا دليل على تخصيصها أو صرفها عن الحكم الكلّي « 3 » .
ويردُّ الدليل الثاني : بأنَّ الفرض في العمل بالاستصحاب هو عدم العثور على دليل كاشف عن الحكم في الواقعة المراد إجراء الاستصحاب فيها « 4 » .
أشكل على إجراء الاستصحاب في الحكم الكلّي باعتبار أنَّ الشكَّ في بقاء الحكم يرجع إلى الشكّ في بقاء موضوعه ، من حيث احتمال حصول بعض التغييرات حدوثاً أو بقاءً ، ولو كنّا على يقين من عدم تغيّر الموضوع فلا شكَّ في بقاء الموضوع وما تخلَّف الحكم عن الموضوع .
رُدَّ هذا الإشكال بما يلي :
أولًا : عدم الفرق بين استصحاب الحكم الكلّي وبين استصحاب الموضوعات الخارجية .
ثانياً : أنَّ النظرة العرفية للموضوع كافية ، ولم تفرض النظرة الدقيقة ، والعرف يرى اتحاد الموضوع في الزمنين ، ولايفرّق بين الموارد المزبورة « 5 » .
رأي السيّد الخوئي
السيّد الخوئي ممَّن ذهب إلى هذا القول ، لكنَّه ألحق الأحكام الترخيصية بالموضوعات الخارجية ، ولم يرَ مانعاً من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية كالطهارة من الخبث والحدث ، ولأجل بيان رأيه :
قسَّم الشكّ في بقاء الحكم باعتبار منشئه إلى الأقسام الثلاثة التالية :
1 - الشكّ الناشئ عن الشكّ في أصل الجعل من حيث السعة والضيق ، كالشكّ في الحكم من حيث شموله لجميع الأزمنة أو تقييده ببعضها . واستصحاب بقاء الحكم في هذه الحالة معارض باستصحاب العدم الأزلي ، فكما يصحُّ استصحاب بقاء الوجوب ، باعتبار أنَّ الجعل أمر حادث ، يصحّ استصحاب بقاء عدم الجعل كذلك .
2 - الشكّ الناشئ عن الشكّ في المجعول بعد العلم بأنَّ أصل الجعل شامل وغير محدّد بزمان ، وهذا الشكّ يرجع في حقيقته إلى الشكّ في كيفية جعل الحكم من حيث إطلاق المجعول أو اختصاصه بزمان أو موضوع ما ، وهو من قبيل الشكّ في أنَّ نجاسة الماء المتغيّر مختصة بحال
هامش
( 1 ) . آراؤنا في أصول الفقه 3 : 26 - 27 ، الاستصحاب ( كوثراني ) : 147 .
( 2 ) . الفوائد المدنية : 284 - 289 وانظر : الوافية : 212 - 213 .
( 3 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 147 - 148 .
( 4 ) . المصدر السابق : 148 .
( 5 ) . فرائد الأصول 3 : 119 - 120 ، كفاية الأصول : 385 - 386 .