القول الثالث : التفصيل بين العدمي والوجودي
وهذا القول يقضي باعتبار الاستصحاب في الأمر العدمي وعدم اعتباره في الوجودي ، استظهره التفتازاني من عبارة العضدي « 1 » ، إذ قال : « إنَّ خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنَّما هو في الإثبات دون النفي الأصلي » « 2 » .
وقد استدلَّ على هذا الرأي : بأنَّ النفي ليس كالإثبات ، فالأخير بحاجة إلى دليل يثبته ، بينما النفي والعدم لا حاجة إلى ما يثبته ؛ لأنّه لو كان لقامت دلالة عليه ، ولم تقم ، فلابدَّ وأنَّه غير ثابت ، ولهذا ننفي وجوب صلاة سادسة وصيام زائد على شهر رمضان . وباعتبار أنَّ العدميات غير متناهية والوجوديات متناهية ، فإنَّ حاجتنا إلى الدليل لإثبات العدميات تقتضي إثبات اللامتناهي ، وليس كذلك الحال في الوجوديات « 3 » .
رُدَّ هذا الرأي بأمور :
أولًا : أنَّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميات يغنينا عن الكلام باعتباره في الوجوديات ؛ باعتبار أنَّ الاستصحاب في الوجودي يتزامن دائماً مع استصحاب عدمي ، فإنَّ إثبات شيء يستلزم نفي ضدّه ، فإثبات الطهارة يستلزم عدم النجاسة وإثبات الحياة يستلزم نفي الموت وعدمه ، والظن بالأعدام المزبورة لا ينفك عن الظنّ ببقاء الموجودات المضادة ، فإذا قيل باعتبار أحدها لا بدَّ من القول باعتبار مضادها كذلك « 4 » .
ثانياً : الأدلَّة الواردة على الاستصحاب وبخاصة الأخبار مطلقة أو عامة ، ولم تقيّد بالعدميات أو الوجوديّات ، فقد ورد فيها : « لا تنقض اليقين بالشكّ » وهذا واضح في الإطلاق « 5 » .
ثالثاً : لا تفاوت في المستصحب أو الأثر المترتب عليه بين ما إذا كان أمراً وجودياً أو عدمياً ، فالتكاليف عموماً بيد الشارع ، فإذا كان نفي التكليف بيد الشارع ، فلابدَّ من كون إثباته كذلك ، ونسبتهما إلى المشرِّع واحدة « 6 » .
القول الرابع : التفصيل بين الأحكام الشرعية والأمور الخارجية ، أو بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية
هذا القول يذهب إلى حجّية الاستصحاب في الأحكام الشرعية وعدم حجيّته في الأمور الخارجية ، ونسب إلى جماعة « 7 » . واستظهره كذلك المحقّق القمي من السبزواري من : أنّ الأخبار لا يظهر شمولها للأمور الخارجية - مثل رطوبة الثوب ونحوها - إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكماً شرعياً ، وإن كان يمكن أن يصير منشأً لحكم شرعي « 8 » .
رُدَّ هذا بإطلاق الأدلَّة وشمولها للأحكام والأمور الخارجية ، فإنَّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ كما يرجع إلى الطهارة عن الحدث والخبث ، يرجع كذلك إلى عدم النجاسة وعدم وصول النجس وعدم حصول ما يوجب الحدث كالنوم . هذا مضافاً إلى أنَّ بعض الروايات وردت في أمور خارجية مثل الثوب « 9 » .
هامش
( 1 ) . شرح مختصر المنتهى 3 : 563 .
( 2 ) . حاشية التفتازاني 3 : 565 .
( 3 ) . الذريعة 2 : 834 - 836 ، وانظر : المستصفى 1 : 237 ، أعلام الموقّعين 1 : 339 .
( 4 ) . فرائد الأصول 3 : 111 .
( 5 ) . الاستصحاب ( كوثراني ) : 143 .
( 6 ) . مباني الاستنباط 4 : 183 ، الاستصحاب ( الكوثراني ) : 143 .
( 7 ) . انظر : شرح الوافية : 339 ، فرائد الأصول 3 : 35 ، 111 .
( 8 ) . القوانين المحكمة : 285 ، وانظر : ذخيرة المعاد : 115 - 116 .
( 9 ) . انظر : القوانين المحكمة : 286 ، فرائد الأصول 3 : 111 - 115 ، الاستصحاب ( كوثراني ) : 146 .