وابن الزاغوني « 1 » ؛ وذلك باعتبار أنَّ وجود الخلاف بحدِّ ذاته دليل على عدم انعقاد الإجماع « 2 » .
لكنَّ القائلين بجريانه استدلّوا على حجيَّته في المثال المتقدِّم ، بأنَّ الإجماع قائم على أنَّ الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قبل أن يخرج المشكوك فيه ، والأصل استمرار الحكم إلَّاأن يوجد النافي له ، والأصل عدمه ، مع أنَّ المورد المشكوك لم يثبت قطعاً كونه نافياً « 3 » .
ورُدَّ دليل الغزالي : بأنَّه رغم كون الاستصحاب ليس دليلًا بحدِّ ذاته لكنَّه دليل الدليل على الحكم ، أي أنَّه يوجب غلبة الظن ببقاء ما كان متحقّقاً على حاله دون تغيير « 4 » .
وقد تقدَّم بعض الكلام في هذا المجال في التفصيل الثامن من التفاصيل الواردة في الاستصحاب .
16 - استصحاب الزمان
مثاله : ترتيب جواز الأكل والشرب على عدم طلوع الفجر في شهر رمضان ، وفقاً لقوله تعالى :
« كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ »
« 5 » ، فعند الشكّ في تبيّن الخيط الأبيض نستصحب عدمه ، وكذلك ترتيب وجوب الصلاة على عدم انتصاف الليل ، وفقاً لقوله تعالى :
« أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ »
« 6 » أي انتصافه ، فعند الشكّ في تحقّق الغسق نستصحب عدمه ونرتِّب عليه الأثر .
وقد وقع الإشكال في جريان هكذا استصحاب إثر الاختلاف في تفسير الزمان ، وأنَّه موجود واحد وحقيقته التدرّج ، أو أنَّه موجود مركّب من آنات قصيرة ومتباينة لا تتجزّء ، فإذا قلنا بالأوَّل صحّ الاستصحاب ؛ باعتبار اتحاد القضيتين ، فقد تعلَّق اليقين بزمان وشكّ في بقاء ذات الزمان ، أمَّا على القول الثاني فيشكل جريانه ، باعتبار اختلاف القضيتين . لكن قيل : بجريانه حتَّى على القول الثاني ؛ وذلك لاتحاد القضيتين عرفاً رغم اختلافهما حقيقةً ، فإنَّ المستصحَب هنا نفس الزمان لا قطع الزمان وأجزائه « 7 » .
17 - استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النصّ إلى أن يرد نسخ
هذا الاستصحاب يعني أنَّ العموم إذا ثبت استصحب حُكمه ما لم يرد تخصيص له ، كما أنَّ النصَّ إذا ثبت صدوره استصحب مؤدَّاه ما لم يرد فيه نسخ « 8 » ، وهو مقتضى القول بالاستصحاب ، ولايبدو وجود خلاف في ذلك ، بل هو من المسلَّمات لدى العلماء ، وعملوا وفقه خلفاً عن سلف « 9 » .
18 - استصحاب الكتابي
وهو استدلال الكتابي لإثبات دينه بالاستصحاب « 10 » .
هامش
( 1 ) . أعلام الموقّعين 1 : 341 . وانظر : المستصفى 1 : 239 ، الواضح فيأصول الفقه 3 : 194 - 195 ، إتحاف ذوي البصائر 3 : 1298 .
( 2 ) . المستصفى 1 : 239 .
( 3 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 374 .
( 4 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 375 ، أعلام الموقّعين 1 : 343 - 344 .
( 5 ) . البقرة : 187 .
( 6 ) . الإسراء : 78 .
( 7 ) . انظر : فرائد الأصول 3 : 203 - 205 ، وكفاية الأصول : 407 - 410 ، ونهاية الأفكار 4 ق 1 : 145 - 151 ، ودراسات في علم الأصول ( الخوئي ) 4 : 122 - 126 ، بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 6 : 268 - 280 .
( 8 ) . روضة الناظر : 80 .
( 9 ) . هداية المسترشدين 1 : 211 ، أصول الفقه الإسلامي ( الزحيلي ) 2 : 862 ، إتحاف ذوي البصائر 3 : 1299 - 1300 .
( 10 ) . مصباح الأصول 3 : 214 .