بيان ، فيرتفع به موضوع القضية المزبورة « وهي قبح العقاب بلا بيان » .
وقد أجيب عنه : بأنّ الأمر على العكس إذ بعد حكم العقل بقبح العقاب مع عدم البيان لا يبقى عقاب محتمل ، فهي واردة عليه « 1 » ، فينحصر مورد قاعدة وجوب دفع الضرر في موارد العلم الإجمالي والشبهات البدوية قبل الفحص وحين الفحص « 2 » .
وتفصيل الكلام في سائر ما أجيب به عن القاعدة المزبورة ، وكيفية جمع القاعدتين متروك إلى محله « 3 » .
وأمّا الشهيد الصدر فإنّه يدّعي أنّ المسألة الوحيدة التي لابدّ من الكلام عنها قبل جميع المباحث السابقة من قبح العقاب بلا بيان وغيره هي : أنّ المولى الحقيقي سبحانه وتعالى هل له حقّ المولويّة والطاعة في خصوص التكاليف التي تمّ عليها البيان من عقل أو نقل ، أو أنّ له ذلك في جميع موارد احتمال التكليف ؟ فقد ادّعى قدس سره ثبوت حق الطاعة للمولى مطلقاً حتى في المحتملات التي لم يقم عليها بيان ، وأنّ هذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي ، بصريح الوجدان « 4 » .
( حق الطاعة )
المقام الثاني : مقتضى الدليل الشرعي
وهنا أيضاً مسلكان :
أحدهما : مسلك الأصوليين القائلين بالبراءة شرعاً ، ومنهم الشهيد الصدر قدس سره .
ثانيهما : مسلك الأخبارييّن القائلين بلزوم الاحتياط شرعاً في خصوص الشبهات التحريميّة ، وأمّا الوجوبيّة فمقتضى الأخبار فيها البراءة .
وقد استدلّ كلّ طائفة بالآيات والأخبار ، وتفصيل الكلام في ذكر ما استند إليه الأصوليون للبراءة وما استند إليه الأخباريون للاحتياط في الشبهة التحريمية ، وما ورد من النقض والإبرام بينهم متروك إلى محله .
( براءة - احتياط )
الأمر الثاني : التمييز بين الأمارة والأصل على حساب قوة الاحتمال وقوة المحتمل
قد ذكروا للتمييز بين الأمارات والأصول العمليّة وجوهاً .
منها : أنّ الميزان في كون الشيء أمارة إنّما هو بكونه كاشفاً عن الواقع - ولو بمرتبةٍ - مع كون دليل اعتباره ناظراً إلى تتميم كشفه ، كما أنّ الميزان في الأصل العملي أن لا يكون دليل اعتباره ناظراً إلى ذلك . وبعبارة أخرى : كلّ ما اعتبره الشارع بلحاظ كشفه عن الواقع فهو أمارة ، وكلّ ما لم يعتبره الشارع من هذه الجهة - إمّا بأن لا يكون له كشف أصلًا ، أو يكون له ذلك ولكن لم يكن اعتباره بهذا اللحاظ - فهو أصل عملي . وعلى ذلك فقد يُتردّد في بعض الأمور بين كونه أصلًا أو أمارة ؛ وذلك لخفاء وجه اعتباره ، وأ نّه من حيث كشفه أو من حيث ذاته تعبّداً « 5 » .
ومنها : ما نُسب إلى المشهور من أنّ الشك مأخوذ في موضوع دليل التعبّد بالأصل بخلاف الأمارة ، فإنّ دليل اعتبارها مطلق من هذه الجهة ، نعم الشك مورد للتعبّد بها .
وبتعبير آخر : إنّ الأمارة والأصل وإن اتّحدا في أنّ جعلهما
هامش
( 1 ) . انظر : مصباح الفقيه ( الصوم ) 14 : 434 ، كفاية الأصول : 343 ، مقالات الأصول 2 : 136 ، 150 ، 176 .
( 2 ) . انظر : فوائد الأصول 3 : 215 - 216 .
( 3 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 56 - 57 ، 330 ، فوائد الأصول 3 : 366 - 368 .
( 4 ) . انظر : دروس في علم الأصول 2 : 321 .
( 5 ) . انظر : فوائد الأصول 4 : 481 - 482 ، نهاية الأفكار 4 ق 2 : 20 .