المعنى الظاهر فيه .
ونظير ذلك في الفقه يتفق كثيراً ، فإنّهم يختلفون في الحكم المستفاد من رواية بحسب اختلافهم في الاستظهار منها ، وليس ذلك من الإجمال في شيء . نعم من لم يترجّح عنده أحد الوجوه السابقة وبقى متردّداً في المراد منه كان الحديث عنده من المجمل . فالإجمال إنّما هو عند من لا يقدر على الاستظهار لا مطلقاً . وهذا مراد من جعل الإجمال أحد وجوه المسألة « 1 » .
3 - نفي الذات
وذلك كما في « لا صلاة إلّابطهور » « 2 » ، و « لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب » « 3 » ، و « لا نكاح إلّابولي » « 4 » ، و « لا صلاة لجار المسجد إلّافي المسجد » « 5 » ، ونحوها .
فالمحكي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي عبداللَّه البصري إجمالها « 6 » .
واستدلّ له بأنّ نفي الذات على حقيقته غير صادق في جميع الصور والتراكيب ، نعم يصحّ على بعض الوجوه ، كما في قوله : « لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب » بناءً على القول بوضع الصلاة للصحيحة لا للاعمّ ، وإلّا فلابدّ من إضمار شيء ، وهو غير معلوم ، فإنّه يدور أمره بين الصحّة والإجزاء والكمال وغيرها ، وليس في اللفظ ما يعيّنه ، ولا يمكن إرادة جميعها في عبارة واحدة - إمّا لاستحالتها ، أو لكونها خلاف الظهور العرفي - فلابدّ من القول بالإجمال « 7 » .
وقد يقال في وجه الإجمال : بأنّ مدخول النفي يدور أمره بين أن يكون له حكم واحد كقولك : ( لا شهادة لقاذف ) أي : لا شهادة مقبولة له ، فتكون هي المضمرة لا محالة ، وبين أن يكون له أكثر من حكم ولا يمكن الجميع فيردّد أمره بين أحدها ، وينجرّ ذلك إلى الإجمال في المراد « 8 » .
ولكن عند المشهور لا إجمال في أمثال هذه العبارات « 9 » .
وقد أجيب عن البيان المزبور : بأنّ الشارع لا يخلو أن يكون له عرف في هذه الأمور - من الصلاة وغيرها - المعبّر عنه بالحقيقة الشرعية ، أو عدمها فإن كان له عرف كذلك فالنفي المزبور أيضاً يكون نفيّاً بلحاظ عُرفه ، ونفيُ الحقيقة الشرعية ممكن .
وأمّا إذا لم يكن له عرف فإنّما يوجب ذلك الإجمال إذا لم يكن له ظهور بعرف الاستعمال ، وهذه التعابير ظاهرة في العرف في نفي الفائدة أو الكمال أوالصحّة ، ويختلف ذلك باختلاف المقامات والقرائن المقاميّة وغيرها ، فقد يكون هو الصحّة وقد يكون هو الكمال « 10 » .
ومع عدمها فيكون المراد نفي الصحّة ؛ لأنّه أقرب المجازات إلى المعنى اللغوي ، فيكون ظاهراً فيه وليس ذلك إثباتاً للّغة بالترجيح ، بل إثبات له بكثرة التعارف الموجب للظهور « 11 » ، فالعلماء وإن اختلفوا في بيان ما هو الظاهر فيه - لاختلافهم في ثبوت الحقيقة الشرعية أو العرفية أو ظهور الشيء في أقرب المجازات وعدمه - إلّاأنّ الكلّ متفقون على ظهوره في معنىً ، وهذا غير الإجمال - كما لا يخفى - « 12 » وقلّما يتفق الوفاق في الاستظهارات خصوصاً في ظهور المركبات ، ولكن لم يجعل ذلك أحدٌ من العلماء دليل الإجمال .
نعم ، بالنسبة لخصوص من لايقرّ بالحقيقة الشرعيّة ، ولا العرفية ، ولا الانصراف إلى أقرب المجازات ولا غيرها ممّا يوجب الظهور ، فهو عنده مجمل لا محالة .
4 - العام بعد ورود التخصيص
وقع الكلام بينهم في أنّ العام بعد ورود التخصيص عليه هل هو حجّة في الباقي ، أم لا ؟
مثلًا إذا قال المولى : ( أكرم جيراني ) ثمّ قال : ( لا تكرم الفسّاق منهم ) فهل يكون العام المزبور حجّة في غير الفسّاق ، وقابلًا للاستناد إليه إذا شُك في وجوب إكرام بعضهم لبعض الجهات ، أم لا ؟ فإذا قلنا بحجّية العام في الباقي فهو ، وإلّا فلا يمكن التمسّك به في موارد الشك ، وهذا هو الإجمال الحكمي وبالعرض .
والمنسوب إلى عيسى بن أبان وأبي ثور إنكار حجّيته مطلقاً ، وإلى الكرخي التفصيل بين ما إذا كان التخصيص بمتّصل كالشرط والصفة والاستثناء فيكون حجّة ، وما إذا كان بمنفصل فلا يكون حجّة ، وقد يقال بعكس ذلك ، كما قد يقال بحجّيته في أقل الجمع ، وقيل فيه غير ذلك « 13 » .
هامش
( 1 ) . انظر : الكاشف عن المحصول 5 : 68 .
( 2 ) . وسائل الشيعة 1 : 368 - 369 كتاب الطهارة ، باب ( 2 ) تحريمالدخول بغير طهارة ح 3 .
( 3 ) . سنن الدارمي 1 : 282 كتاب الصلاة ، باب لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب ( باختلاف ) .
( 4 ) . سنن الدارمي 2 : 137 كتاب النكاح ، باب النهي عن النكاح بغير ولي .
( 5 ) . وسائل الشيعة 5 : 194 - 195 ، كتاب الصلاة ، أبواب أحكام المساجد ، باب ( 2 ) كراهة تأخر جيران المسجد عنه ح 3 ، 5 .
( 6 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 17 ، شرح مختصر الروضة 2 : 663 .
( 7 ) . انظر : الذريعة 1 : 353 - 354 ، العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 442 .
( 8 ) . انظر : معارج الأصول : 108 .
( 9 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 17 ، إرشاد الفحول 2 : 28 .
( 10 ) . روضة الناظر : 94 ، الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 17 .
( 11 ) . مبادئ الوصول : 158 .
( 12 ) . معالم الدين : 155 .
( 13 ) . انظر : ميزان الأصول 1 : 480 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 439 - 440 ، الحاشية على كفاية الأصول ( البروجردي ) 1 : 487 - 488 ، أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 197 .