أُمَّهاتُكُمْ »
هو الوطء أو النظر عن شهوة .
أو التزموا بالعموم - فيما لم يكن هناك معهود ينصرف إليه التحريم - ولعلّ منه استدلال الشيخ الطوسي بقوله تعالى :
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ »
على حرمة بيع جلد الميتة وعلى نجاسته حتى بعد الدباغة « 1 » ، ولعلّ هذا مراد قولهم :
« حذف المتعلق يفيد العموم » « 2 » ، وقد استدلّ أيضاً الشيخ الأنصاري بقوله عليه السلام : « أولى الناس بالميّت أولاهم بميراثه » على أولوية الولي بجميع أمور الميّت من غسل وصلاة وكفن ودفن « 3 » .
كما استدلّ بعضهم بقوله صلى الله عليه وآله : « لايحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلّابطيبة نفسه » « 4 » على حرمة كلّ فعل له مساس بمال الغير « 5 » .
وقد يستفاد إرادة العموم من الخارج من رواية أو غيرها ، كما روي أنّه صلى الله عليه وآله قال : « لعن اللَّه اليهود ، حرّمت عليهم الشحوم فحملوها وباعوها » « 6 » .
فدلّ على أنّ تحريم الشحوم يشمل أنواع التصرف فيه ، ولا ينحصر في الأكل ، وإلّا لم يتوجه إليهم الذمّ في البيع « 7 » .
نعم ، إذا لم يكن هناك منصرف ولا دليل من الخارج على العموم ولا على تعيين المحذوف ، لانجرّ ذلك إلى إجمال المراد .
هذا وقد يجاب عن الشبهة المزبورة : بأنّ الحرمة لابدّ وأن تقع على العين ليدلّ على اتّصاف العين به ، وأمّا إذا ورد على الفعل فلا يستفاد منه حرمة العين ولا الفعل المناسب .
قال السرخسي : « ألا ترى أنّ شرب عصير الغير وأكل مال الغير فعلٌ حرام ، ولم يكن ذلك دليلًا على حرمة العين ولزوم هذا الوصف للعين » « 8 » .
ورجوع هذا الجواب إلى لزوم الإضمار في قوله صلى الله عليه وآله :
« لا يحلّ مال امرئ مسلم . . . » لأنّ الإضمار مخلّ بالغرض وهو تحريم العين .
لكنه جواب غير صحيح ؛ وذلك لأنّ مفاد هذا الكلام على التقديرين - تقدير ورود التحريم على العين أو على الفعل ، وهو الأكل - واحد ، ضرورة أنّ حرمة العين في هذا الكلام إنّما يراد بها حرمة أكلها والتصرف فيها لا حرمة ذاتها ، فيتحد المراد في حالتي الإظهار والإضمار ، فلا فرق بين القولين « يحرم عصير الغير » و « يحرم أكل عصير الصغير » ، فما ذكره من عدم إفادة ذلك تحريم العين ذاتاً لا معنى محصّل له .
2 - حديث الرفع
وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله بطرق مختلفة في رفع بعض الأشياء عن أمّته ، وللحديث صور مختلفة :
فمنها : قوله صلى الله عليه وآله : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 9 » .
ومنها : « إنّ اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 10 » .
ومنها : « إنّ اللَّه تجاوز عن أمتي كلّ شيء حدثت به نفسها ما لم تكلّم به أو تعمل » « 11 » .
ومنها : « وضع عن أمتي تسع خصال : الخطأ ، والنسيان ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، وما استكرهوا عليه ، والطيرة ، والوسوسة في التفكر في الخلق ، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد » « 12 » .
وقد يدّعى إجمال هذا الحديث بتقريب : إنّ الوضع والرفع بمعناه الحقيقي لهذه الأمور أو بعضها غير صادق ضرورةَ وقوع الخطأ والنسيان والاضطرار بالوجدان ، فلابدّ من لحاظ مقدّر يكون الرفع والوضع بحسبه ، وهو مردّد بين أمور ، ولا معيّن في البين ، وهذا معنى الإجمال « 13 » .
ولكن أجيب عنه بعدم الإجمال ؛ وذلك لعدم تردّد المحذوف ، ومعلوميته بعرف الاستعمال ، فإنّ الفقهاء وإن اختلفوا في ما هو المقدّر على اختلاف استظهاراتهم من الحديث ، إلّاأ نّهم لم يعاملوا معه معاملة المجمل الذي لا يجوز الاستناد إليه بوجه « 14 » .
فقد يقال : إنّ المحذوف هو خصوص المؤاخذة والعقاب ، لا جميع الأحكام حتى مثل الضمان والقضاء « 15 » .
واستدلّ له الشوكاني « 16 » بأ نّه المفهوم عرفاً ، بل جعل الشيخ الأنصاري « 17 » رفع المؤاخذة في الخطأ والنسيان وما
هامش
( 1 ) . الخلاف 1 : 62 - 63 و 3 : 240 .
( 2 ) . انظر : تهذيب الأصول ( الخميني ) 3 : 151 ، زبدة الأصول ( الروحاني ) 3 : 400 .
( 3 ) . كتاب الطهارة ( الأنصاري ) 4 : 205 - 206 .
( 4 ) . الكافي 7 : 273 كتاب الديّات ، باب القتل ح 12 .
( 5 ) . حاشية كتاب المكاسب ( الأصفهاني ) 1 : 347 .
( 6 ) . سنن الدارمي 2 : 115 كتاب الأشربة ، باب النهي عن الخمر وشرائها حديث ابن عباس .
( 7 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 1 : 466 - 467 .
( 8 ) . انظر : أصول السرخسي 1 : 195 .
( 9 ) . فتح الباري 3 : 82 ، وانظر : أصول السرخسي 1 : 251 .
( 10 ) . سنن ابن ماجة 1 : 659 كتاب الطلاق ، باب ( 16 ) طلاق المكره والناسي ح 2043 .
( 11 ) . سنن النسائي 6 : 156 كتاب الطلاق ، باب من طلّق في نفسه من حديث أبي هريرة .
( 12 ) . الكافي 2 : 463 كتاب الإيمان والكفر ، باب ما رفع عن أمتي ح 2 ، من لا يحضره الفقيه 1 : 36 ، باب ( 14 ) فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه ح 4 باختلاف .
( 13 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 16 .
( 14 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 16 ، إرشاد الفحول 2 : 30 .
( 15 ) . المستصفى 1 : 280 - 281 ، مبادئ الوصول : 160 ، إرشاد الفحول 2 : 30 ، فرائد الأصول 2 : 29 .
( 16 ) . إرشاد الفحول 2 : 30 .
( 17 ) . فرائد الأصول 2 : 29 .