المورد الثاني : إجزاء الأمر عن غيره
وبهذا المعنى وقع البحث في مقامين :
المقام الأول : إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الأولي
لا شكَّ في أنَّ الاضطرار ترتفع به فعلية التكليف ؛ لأنَّ اللَّه تعالى لايكلّف نفساً إلَّاوسعها . وقد ورد في الحديث النبوي المشهور الصحيح « رفع عن أمتي تسعة . . . وما اضطروا إليه » « 1 » . والكلام فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية الثانوية ، وتمكَّن المكلَّف من أداء ما كان عليه واجباً في الحالة الاعتيادية والاختيار ، أي قبل حصول الاضطرار ، فهل يجزئه ما كان قد أتى به حال الاضطرار ، أم لايجزئه ، وعليه إعادة الفعل أداءً قبل انتهاء الوقت ، وقضاءً بعد انتهاء الوقت ؟ « 2 »
أطبق علماء الشيعة على الإجزاء هنا « 3 » ، وذلك للأدلَّة التالية :
الأول : الأحكام الواردة حال الاضطرار للتخفيف والتكليف بالقضاء أو الأداء ثانياً يناقض التخفيف .
الثاني : أكثر الأدلَّة الواردة في التكاليف الاضطرارية مثل :
« فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً »
« 4 » مطلقة ، والإطلاق يقتضي الاكتفاء بالأمر دون حاجة إلى أداء أو قضاء ، وإلَّا وجب البيان « 5 » .
الثالث : القضاء يجب فيما إذا صدق الفوت ، وفي المقام لا يصدق الفوت ؛ لأنَّ القضاء يفرض فيما إذا استمرَّت الضرورة طوال وقت الأداء ، وعلى هذا التقدير لا أمر في الوقت ، فلا فريضة ، وفي النتيجة لا يصدق الفوت . والأداء يفرض فيما يجوز البدار ، وإذا ثبتت الرخصة في البدار فذلك يعني مسامحة الشارع في تحصيل الفعل الكامل عند التمكّن ، وإلَّا لأوجب الانتظار .
الرابع : نشك في وجوب الأداء والقضاء ، ولم يُنفَ وجوبهما بإطلاق ونحوه ، فيكون شكاً في أصل التكليف ، وفي مثله تجري أصالة البراءة عن وجوبهما « 6 » .
المقام الثاني : إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الأولي
المراد من الأمر الظاهري هو الثابت عند الجهل بالحكم الواقعي ، سواء ثبت بالأمارات أو بالأصول العملية « 7 » .
والمراد بالإجزاء هنا : إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي فيما لو انكشف مخالفة الظاهري للواقعي في داخل الوقت ، فلا يجب الأداء أو خارجه ، فلا يجب القضاء .
وقد وردت في هذا المقام أقوال هي :
1 - الإجزاء مطلقاً .
2 - عدم الإجزاء مطلقاً .
3 - التفصيل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجداني ، وما إذا انكشف بعلم تعبدي ، فيجزيء على الثاني دون الأول .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 15 : 369 كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، باب ( 56 ) جملة ممّا عفي عنه ح 1 .
( 2 ) . انظر : كفاية الأصول : 84 ، أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 304 .
( 3 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 304 .
( 4 ) . النساء : 43 ، المائدة : 6 .
( 5 ) . فوائد الأصول 1 - 2 : 245 ، مقالات الأصول 1 : 274 .
( 6 ) . انظر : كفاية الأصول : 84 - 86 ، وسيلة الوصول 1 : 255 - 256 ، أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 306 ، دروس في علم الأصول 2 : 283 .
( 7 ) . أصول الفقه ( المظفر ) 1 - 2 : 307 .