أولئك الذين احتكموا إليه في وضع الحجر ، كان بينهم - بلا ريب - من رأوا فيه .
بنظرة البداهة المشرقة والحسّ الشفيف والفطرة السليمة ، ذلك الموعود بهداية الجنس البشري كافّةً إلى طريق الإيمان .
وكان بينهم أيضاً من أنسوا ، في بعض الظواهر الطبيعية والحدثية التي توالت على الدنيا - قبيل ميلاده وفي أعقابه - دلالات تومئ إليه بإصبع ثابتة ، لا تخطئ الإيماء .
وكان بينهم من كادوا يجاوزون مجال التوسّم « 1 » والإحساس إلى دائرة التثبّت والاستيقان ، لأنّهم قرأوا وسمعوا ووعوا أنّهم يعيشون في زمان ترقّب وانتظار ، وهيّأتهم ملكاتهم النفسية وقدراتهم الروحانية للإيمان بوعد الواعد ، فلا حاجة إذاً بهم إلى التردّد في التصديق بمجيء الموعود .
* * * وها هي مرادات الإيماء ، ها هي المعالم الهادية مرفوعة كالأعلام .
ها هي الإشارت ، ها هي عجائب وخوارق ونبوءات .
ها هي آيات ، وكم من آيات !
كم من بشارات كانت للزمن طليعة ، وراحت تتقدّم الأحداث والوقائع ، وتسبق الظروف والصروف ، تعلن للعالمين عن هذا الآتي من وراء الغيوب !
آونةً بعد آونة كانت تلمع في أُفق الدنيا لمع البرق بين كسف « 2 » السحاب ، تارةً فتارة كانت تهلّ إهلال المعتمر بالتلبية استجابةً لنداء اللَّه ، مرّةً مرة كانت تترى « 3 » ، مبيّنة عن إقباله ، مواكبة مراحل حياته ، مرحلةً تلو مرحلة ، إذ هو نطفة ، فجنين ، فوليد ، فرضيع ، ففطيم ، فطفل ، فصبي ، فغلام ، ففتىً ، فشاب متين البنيان صليب العود .
* * *
هامش
( 1 ) . التوسّم : التفرّس .
( 2 ) . الكِسَف والأكساف والكُسُوف : القطع من الشيء .
( 3 ) . تترى : أي متتابعاً .