أخذوا يضربون بمعاولهم في الأرض حتّى تبلغ منها باطنها النديّ الرطيب ، يُعمّقون القاع ، يسوّون الجوانب ، يرفعون على كواهلهم التراب والحجارة .
فما كان معهم عبيد يكفونهم بعض هذا المشقّات ، وكانت الأُمسيات شتائية مقرورة « 1 » ، فالهواء مثلوج ، والقرة تنفذ في عظامهم إلى النخاع ، والجهد والبرد يجمّدان الأوصال ، والجوع والعطش ينهشان المعى « 2 » والأحشاء .
فربما مرّت الليلة والليلتان وما ذاق امرؤ منهم طعم كسرةٍ من خبز يابس ، ولا بلّل شفتيه بقطرة ماء .
وكان الرسول قدوتهم على طريق الظمأ والسغب « 3 » والنَصَب « 4 » والمعاناة ، فكلّ همه أن يؤمّن المدينة قبل أن يقاربها الأحزاب ، فهو يقبل على العمل إقبال شوق وليس مجرّد إقبال أداء ، يقوم بما يقوم به الاثنان والثلاثة والعشرة ، وما ينوء بالعصبة أُولي العزم من الرجال ، وكان يحفّز المؤمنين ويحمّسهم لينسوا في غمرة الحفر والحماس ما هم فيه من لَأْواء « 5 » .
وكما يرفع الحادي « 6 » عقيرته ليستهوي الإبل بالحداء فتحثُّ السير ، وتتّخذ من أخفافها أجنحةً تطير بها على وجه الرمال ، كان يرتجز لرفاقه بنشيد صاحبه : عبداللَّه بن رواحة ، أحد الأنصار :
واللَّه لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الذين قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنةً أبينا
هامش
( 1 ) . مقرورة : باردة ، قارصة .
( 2 ) . المعى : واحده أمعاء .
( 3 ) . السَغَب : الجوع .
( 4 ) . النَصَب : التعب .
( 5 ) . اللأْواء : المشقّة .
( 6 ) . الحَدْو : سوق الإبل والغناء لها .