وما أسرع ما أقبلت قريش ، سادةً وأشرافاً ، يداً واحدةً مع الوليد بن المغيرة على هدم البنيان المقدّس .
وقد تقسّموه بينهم أربعة أرباع : الربع الأول لبني عبد مناف ، الثاني لبني جمح ، الثالث لبني عبد الدار ، الرابع لبني مخزوم « 1 » .
وأخلصوا الجهد والنيّة ، فكما جدّوا في الهدم جدوا في التشييد .
وكانوا كأنّما في سباق ، يعملون المعاول ، يرفعون الأنقاض ، يقتطعون من الجبال القريبة حجارة الصوان الزرقاء ويهيّئونها ، مصقولةً ملساء ، للبناء .
قطعةً فوق قطعة ، وحجراً على حجر ، أخذ الأساس يرتفع ، كشجرةٍ مباركةٍ ، أصلها ثابت وفرعها يتطاول إلى السماء .
ما تأبوا على عمل ، ولا ضنّوا « 2 » بهمّة ، ولا ضاقوا بلأْواء « 3 » . . . « 4 » .
* * * ولم يلقوا عسراً ، بل يسّر لهم أمرهم من حيث لم يحتسبوا ، ولم يحتسب إنسان .
فإليهم سعت - قبل أن ينشدوها - أدوات البناء ، وعليهم وفدت - دون دعوة دعوها - اليد الصَناع « 5 » .
إنّ حظّهم لسعيد ، وإنّ نجمهم لبازغ وفي صعود ، فما لم يكن لهم بحسبان ، وكانوا به يحلمون ، أتاهم وهم بمكانهم كما أتى سليمان عرشُ بلقيس .
لقد قذف إليهم البحر بسفينة عظيمة ، راعيها تابع لقيصرالروم ، متعدّد المواهب
هامش
( 1 ) . راجع سمط النجوم العوالي لعبد الملك الشافعي العاصمي 1 : 208 .
( 2 ) . ضنّوا : أي شحّوا وبخلوا .
( 3 ) . اللَأْواء : الشدّة والضيق .
( 4 ) . راجع تاريخ ابن الأثير 2 : 45 .
( 5 ) . اليد الصَناع : أي الحاذقة الماهرة في العمل ، يقال : رجل صَناع اليدين ، وامرأة صَناع اليدين ، ويقال للشاعر وكلّ بليغ : هو صَنَعُ اللسان ، وله لسان صَنَعٌ .