بعضهم ظنّ هذا ، آخرون ظنّوا ذاك .
لكن أكثر الكثيرين كانوا مع الإبقاء على القائم إلى تلك الأيام من البيت الحرم ، على الهيئة التي خلّف الزمن من بنائه ، منذ عهد إبراهيم ، على نفس صورته الماثلة الآن للعيان : رسوماً دارسة « 1 » ، وآثار حطام .
بلا تغيير ، ولا تعمير أرادوه ، بغير تبديل أو تعديل ، بغير ترميم أو تقويم .
فهل عن وفاء لعراقة ماضية ، أم عن خشية من خفايا المجهول ؟
* * * وعندما اجتمع سادة القوم بمكة ذلك اليوم ، ليروا رأيهم فيما فعل طغيان السيل بحرم اللَّه ، تاه تفكيرهم في بوادي الشكوك والوساوس ، ومهامه « 2 » الأحداس والظنون .
راحوا يتشاورون وكأنّهم لا يتشاورون ، يقولون ولا يكادون يقولون ، يلغطون « 3 » ولا يحسمون .
الألسنة الحائرة تدور وتدور في الأفواه ، الشفاه المرتعشة ما أن تقترب من الآذان حتى تفترق الآذان عن الشفاه ، القلوب تجفّ في الصدور ، وتطفر إلى النحور ، العيون تنظر ولا ترى ، وهي تحملق « 4 » فيما وراء المنظور .
بدا الجمع كأنّما يسيحون في خواء « 5 » ، يتعلّقون بالهواء .
وبين حدّي القلق والفرق ، بين طرفي الاضطراب والارتهاب ، بين رحى هذين الشعورين ، توجّسوا « 6 » من شرٍّ غامض ، نازل بهم لا محالة لو أقدموا على نقض حجر
هامش
( 1 ) . دَرَسَ الرسم واندرسَ : إذا عفا وانمحى وانطمس .
( 2 ) . المَهْمَه والمَهْمَة : جمعها مَهامِه ، وهي المفازات والبلاد المقفرة .
( 3 ) . اللَغَط : الصوت والجَلَبة الشديدة ، أو الصوت المبهم الذي لا يُفهم .
( 4 ) . تحملق : أي تنظر نظراً شديداً .
( 5 ) . الخَواء : الفراغ والعدم .
( 6 ) . تَوجَّس بالشيء : أي أحسّ به وهو خائف .