إنّه لخطر يشيع في الهواء ، يسدّ منافذ الفضاء ، يملأ العيون ، ويحشو الأسماع ، ويكتم الأنفاس .
وإنّ له لوناً قانياً كنفثات الشفق ومسايل « 1 » الجروح ، وله وقدة « 2 » تشوي الأحاسيس ، وله زهمة « 3 » تخنق الحلاقيم .
وهل في جوار بيت اللَّه آنذاك امرؤ يحلم بغدٍ آمن ، لا تصطفق فيه الأسنّة ، ولا يصلصل « 4 » السلاح ؟
* * * بل لا ، ولا رجاء في أمان ، فالبلدة المقدّسة صارت على فوّهة بركان .
النقاش بين فريقي أهلها المتنازعين نقلهما إلى مثل ميدان قتال ، التراشق بالكلام أوشك أن ينقلب إلى تراشق بالسهام .
أقد تمزّقت الآن وشائج « 5 » القربى ، التي جمعتهم من قبل في وحدةٍ وثيقة ، وتناثرت تحت الأقدام ؟
أقد انحلّت كلّ عروة ، وتقطّع كلّ رباط ، فانبتّ الفرع من الأصل ، وانفصل الحاضر من الغابر ؟
أقد تحوّل الدم في عروقهم إلى ماء ؟
* * * لعلّ كلّ هذا كان .
هامش
( 1 ) . النفثات : جمع نَفْثَة ، وهو ما يظهر من الشيء ، كالدم من الجرح ، والهواء من الفم ، والسمّ من الحيّة . والمسايل والمُسُل والمُسْلان والأمْسلة : جمع مسيل ، وهو موضع السيل ، فمسيل الجرح : موضع جريانه .
( 2 ) . الوَقْدة : المرّة من وَقَد ، وهي أيضاً : أشدّ الحرّ .
( 3 ) . الزَهْمة : ريح اللحم المنتن . والحلاقيم : جمع حُلْقوم ، وهو الحلق .
( 4 ) . اصطفقت : أي تحرّكت واضطربت مع بعضها فأحدثت صوتاً . وصَلْصَل : أي صوّت حينما تصطدم بعضها مع البعض .
( 5 ) . الوشائج : جمع وشيجة ، وهي الصلة القائمة بين الأقرباء ، وأصلها : عِرق الشجرة ، وليف يُفتل ثم يُشَدّ به مايُحمل .