نورها خيوط وخطوط من الظلّ كآثار لسع السياط .
هنا وسوسة عاصفة ، وهناك همهمة « 1 » إعصار .
الجوّ كلّه بروق ورعود ، رياح وزوابع « 2 » ، تراب وغبار .
* * * ولَّى الهدوء ، أفَل الضياء .
وها هي البلدة الحرام الوادعة ، التي تحتضنها الجبال الخرساء ، ينتهشها « 3 » الضجيج ، وتعربد « 4 » فيها الضوضاء .
ها هي على فُرقة من بعد وحدة ، وشقاق من بعد وفاق ، شطرها الاختلاف .
الأحاديث فيه جلبة وقرقعة « 5 » ، الآراء أشتات والنفوس ، من وراء هذا قلقة ، والعيون حيرانة .
والأحداس « 6 » في الخواطر تضطرب وتموج ، تنتشر لتنحسر « 7 » ، وتنحسر لتنتشر ، تماماً كصفحة البحر حين يبسطها المدّ ، ويطويها الجزر « 8 » .
* * *
هامش
( 1 ) . الهَمْهَمة : كلّ صوت معه بَحَحٌ ، وأصلها : صوت البقر والفيلة وشبهها .
( 2 ) . الزوابع : مفردها زَوْبَعة ، وهي هيجان الرياح وتصاعدها إلى السماء .
( 3 ) . ينتهشها : أي يجهدها ، وأصله تناول الشيء بالفم ليعظّه فيؤثّر فيه ولا يجرحه ، كذلك نَهْش الحيّة ، ويقال : نَهَشَه الدهر : إذا جهده وأوقعه في الحاجة .
( 4 ) . العَرْبَدة : الشدّة في كلّ شيء .
( 5 ) . الجَلَبة : الأصوات والصياح إذا اختلطت . والقَرْقَعة : الصوت الجافي ، كصوت وقوع الحديد على الحديد ، ونحو ذلك .
( 6 ) . الأحداس : جمع حَدْس ، وهو الظنّ والتخمين والتوهّم .
( 7 ) . الانحسار : نقيض الانتشار ، يقال : انحسر الشيء إذا انقطع وانكشف .
( 8 ) . المدّ والجَزْر : ظاهرتان تصيبان النهر والبحر ، فالمدّ إذا زاد ماؤه وامتدّ وانبسط ، والجَزْر ضدّه إذا انحسر الماء ورجع .