حتّى الأصابع راحت تتقبّض وتتوتّر ، كأنّها مخالب تهمّ بالنشوب « 1 » .
وحتّى السيوف راحت تهتزّ وتتحفّز « 2 » ، كأنّها قضاء يهمّ بالنزول .
كما في ساحة الوغى ، قسم الخلاف أهل مكة صفّين متناجزين ، كلاهما يواجه الآخر بأسلحة السخط والتجبّر والعنف ، وكلاهما مشدود الأعصاب على أهبّة الهجوم .
والأفق فوقهما أحمر ، والسُحُب « 3 » ، في جنبات سمائهما ، دم متخثّر « 4 » .
* * * الخلاف الناشب الآن بينهما استفحل ، وغدا كماردٍ « 5 » رهيب .
والإحساس الثقيل بالخطر المقبل قد عشش وأفرخ في كلّ الأذهان .
وأهلها جميعاً في الهمّ سواء ، لا فرق فيهم بين قريب وبعيد ، كبير وصغير .
* * * المقيمون بالبلدة كانوا يتنفّسون خوفهم من المجهول ، صباح مساء .
والظاعنون « 6 » عنها كانوا يصحبونه معهم على طريق الرحيل .
والعائدون إليها ، من بعد غياب ، كانوا يرونه ستاراً من العذاب .
* * * ما من فرد بمكة آنذاك إلّاعاش ذلك الخطر الذي يوشك على التهام الأمان .
هامش
( 1 ) . المخالب : جمع مَخْلَب ، وهو الظفر خصوصاً من السباع ، فاستعير لغيرها . ونَشَب الشيء في الشيء نُشُوباً ونَشَباً ونُشبةً : إذا غلق فيه ولم ينفذ .
( 2 ) . تتحفّز : أي تتهيّأ للوثوب .
( 3 ) . السُحُب : جمع سَحابة ، وهي الغيمة .
( 4 ) . خَثُر اللبن والدم وتخثّر : إذا ثخن واشتدّ وغلظ ، فهو خائر ، ضد الرقيق .
( 5 ) . المارد : العاتي المرتفع ، كأنّه تجرّد من الخير .
( 6 ) . الظاعن عن الديار : الراحل عنها .