فمتى تطلع الشمس في عيون الإشفاق بالصبح المأمول ؟ لماذا لا يضجّ بالحيوية - وهو في عمر الوردة - القوام النحيل ؟
كيف يبدو ذلك الإهاب كأنّما لا يُشرِق ، وتلك الوجنات كأنّما لا تزدهر ، وهاتان الشفتان كأنّما لا تضطربان في تنافر وتجاذب ، وفي تلاحم وانفراج ، سريعاً كاختلاج جناحين ، لتتزاحم عليهما الكلمات ؟ أما تَرِفّ البسمات ؟ ألا ترنّ الضحكات ؟
لو قد علم أصحاب الخشية أولئك كيف يستشفون دخيلة « الزهراء » لما فاتهم أن يتبيّنوا حقيقة ما فات ، لعلموا أنّ نحولها ليس علّة ، ولأيقنوا أنّ صمتها ليس عيّاً ، ولأدركوا أنّ نأيها عن الضجّة والهزل والعبث العربيد ، التي تزمجر - عادة - في أوصال الصغار ، وتتّسم بها مرحلة الطفولة الغريرة « 1 » ، ليس كما يحسبون .
ليس نتيجة شذوذ يخامر سليقتها السوية ، ليس وليد نقص في طبيعتها الحيوية ، ليس بعيب نفسي يدفع بها حتف رغبتها إلى التنكّر المتجهّم للمرح البريء الذي يلازم طراوة الإهاب ، ونظارة الأعمار ، ليس بقصور بدني يفرض عليها سلوكاً تلوح معه كأنّها لا تصبر على جهد الحركة بقدر ما تتهافت على استرخاء السكون .
لكنّهم لا يعلمون ، أساءوا التقدير .
فما قعودها عن اللعب المجلجل بعجز في البنية ، ولا عزوفها عن المرح المتمرّد بخلل نفسي ، ولا صمتها الجاد الذي تلوذ به أكثر الأحايين بميل إلى التجهّم والعبوس تعبيراً عن كفرها بالبشاشة والابتسام .
كلا : لقد كانت تؤثر الهدوء لأنّه وقار ، ولأنّه سكينة وطمأنينة ، ولأنّه مناخ المعرفة ، ولأنّه مسرح التفكير .
وهل قرار النفس وتفتّح الذهن إلّابقرار البدن ؟ وهدوء البال إلّابهدوء الأوصال ؟
* * *
هامش
( 1 ) . الغرير من كل شيء : أوله وطلعته .