فساعة خطا الجيش أولى خطواته على أرض البلدة الطيّبة ، وانتشر سواده الكثيف في بياض النهار المشرق ، وتحرّك الفيل يقوده على الطريق إلى البيت العتيق ، انطلق عبد المطلب يسبق الغُزاة إلى حرم اللَّه .
قلبه كلّه خشوع ، عيناه تفيضان بالدموع .
نفحة قدسية من نفحات الإيمان هي التي كانت توجّه تفكيره وتهدي خطاه ، وفي سكينة وطمأنينة أخذ بحلقة باب الكعبة الغرّاء ، يدقّ بابها ، ونظره إلى السماء ، وعلى جرس الدقّات راح يستنصر اللَّه :
لا هُمّ إنّ العبدَ يَمنعُ * رحَلْهُ فامنَعْ حلالَكْ
لايغلبنّ صَليبُهُم * ومحالهُم أبداً محالِكْ
جرّوا جموعَ بلادِهِم * والفيلَ كي يَسبُوا عيالَكْ
إن كنتَ تاركَهُم * وقبلَتَنا فأمرٌ ما بَدَا لكْ « 1 »
ثم مضى في ضراعته وابتهاله :
يا ربّ . . . لا أرجو لهم سواكا * يا ربّ . . . فامنَعْ منهم حماكا
إنّ عدوَّ البيت مَن عاداكا * امنعهم أن يخرّبوا فناكا
* * * وصدقت مَلَكَة التوسّم والاستجلاء .
استُجيب الدعاء ، حقّت على الطغاة المفتونين كلمة اللَّه .
وهل كان سبحانه ليخلّي بينهم وبين حرمه الأمين ؟ هل كان تاركهم يعيثون في البلدة المقدّسة ، وإنّ فيها - على مرمى الحربة ، ومنزع السهم منهم - ذلك الوليد اليتيم الذي اجتباه ربّه ليكون هدىً ورحمةً للعالمين ؟
إن هي إلّاسُوَيْعَة أو سويعات حتّى ذهب أصحاب الفيل في الغابرين ، عاجلهم
هامش
( 1 ) . الأبيات من الكامل ، ذكرها ابن سعد 1 : 92 ، وابن كثير الدمشقي في البداية 2 : 160 ، والعاصمي في سمط النجوم 1 : 274 باختلاف في بعض الألفاظ .