القضاء ، حصدتهم المنون ، هجرتهم الحياة .
في لحظةٍ خاطفةٍ كأنّها بلا عمر خرّوا صرعى ، وما حاشهم عن الكعبة بنان ، أتاهم أمر اللَّه ، « الكلمة » أردتهم ، وليس الرماح والسهام والسيوف ، « كن » هي التي أوردتهم الحُتُوف « 1 » .
بلا حراك ولا أنفاس تناثروا على ثرى « 2 » البلدة المقدّسة مجندلين « 3 » ، بلا أجداث « 4 » ولا لحود ، غسلهم الدم ، أكفانهن سافيات « 5 » الرمال ، لُحّادهم « 6 » الوباء ، قبورهم العراء .
الهَلَكة جاءتهم من طريق المحال ، سحقهم جند مجهول : طير أبابيل ، مزّقهم سلاح مجهول : حجارة من سجّيل ، فإذا هم جُذاذات « 7 » كحبّ الحصيد « 8 » ، كهشيم « 9 » ، كتبن مدروس « 10 » ، كعصف مأكول ، فما بكت عليهم السماء والأرض ، وما كانوا منظرين .
* * * لقد شاء الأشرم ، لكن ما شاء اللَّه هو الذي كان .
نجت مكّة ، حمى اللَّه الكعبة ، حفظ بيته الحرام ، ليكون ذلك الآتي الذي تنفّس يومئذٍ أوُلى نسمات الدنيا هو من يفعل فعل أبويه الكريمَيْن : إبراهيم وإسماعيل ،
هامش
( 1 ) . الحُتُوف : جمع حَتْف ، وهو الموت .
( 2 ) . الثرى : الأرض .
( 3 ) . مجندلين : ممدّدين ، صرعى .
( 4 ) . الأجداث : جمع جَدَث ، وهو القبر .
( 5 ) . السافيات : الذرّات والغبار المتبدّد المتناثر .
( 6 ) . اللُحّاد : جمع لاحد ، وهو الذي يعمل اللحد .
( 7 ) . الجُذاذات : القطع المتكسّرة الصغيرة الفاصلة بعد كسر الشيء .
( 8 ) . الحصيد : ما حُصد من الزرع .
( 9 ) . الهشيم : المهشوم ، النبت اليابس المتكسّر .
( 10 ) . المدروس : المطحون الذي ذهب رسمه وانمحى أثره .