ويستبشر الناس بالغيث
« وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ »
« 1 » وتحيى الأرض ، وتنبت الزروع ، وتدرّ الضروع « 2 » ، ويعمّ الخيرُ البعيد والقريب .
* * * إنّ اسشفاف الشيخ للخفايا والمجهولات كان بلا حدود ، يخالف المتوقَّع والمشهود ، أُسطورة الأساطير .
فحين داهمت الحبشة مكّة ، أمدّه جلاء بصيرته بالطمأنينة ، على خلاف قومه أجمعين كان ثابت الجنان ، الإيمان زوّده بالأمان .
في ذلك الوقت كانت اليَمَن في ملاك الأحباش ، وكان سيّدها أبْرَهَة الأشْرم قد بنى بها « القُلَّيْسُ » كنيسة كبيرة ذات فخامة وزخرفٍ وبهاءٍ ، وبثّ في أنحاء الجزيرة العربية الرُسل والدُعاة : أنّ هذه قبلتنا خير وأبقى لمن أراد ملكوت السماء ، وانتظر أن تلبّيه العرب فتعدل إلى حجّها عن حجّ البيت الذي رفع قوائمه إبراهيم وإسماعيل
لكنّ انتظاره طال ، أمله خاب ، دعوته لم يستجب لها مستجيب ، فما استمال أحداً من معبده المستحدث مظهر ثراء ، ولا أغرى إغراءٍ .
عندئذٍ صمّم « أبرهة » على هدم الكعبة لكيلا يكون لهم غير « قليسة » مزار ، وأبرم أمره ، وبجيش لَجِب « 3 » ، ذي أعداد وعتاد ، زحف من الجنوب إلى الحجاز .
* * * كانت مسيرته وجنوده كرحلة أخدان « 4 » سفر ورفاق طريق ، فلم يكد يلقى عنتاً « 5 » ، ولا عانى مشقّة الحروب ، بل وجد من بعض العرب عوناً يدلّه إلى حيث أراد .
هامش
( 1 ) . الروم : 49 .
( 2 ) . الضُروع : جمع ضَرْع ، وهو مدرّ اللبن للشاة والبقر ونحوها .
( 3 ) . جيشٌ لَجِبٌ : أي ذو جلبة وكثرة .
( 4 ) . الأخدان : جمع خِدْن وخَدين ، وهو الصديق .
( 5 ) . العَنَت : الشدة والمشقة .